|
مكان في ذاكرة التاريخ سبيل نفيسة البيضا يحكي
قصتها
محيط – شيرين صبحي
|
|  | | واجهة السبيل | | |
من هي نفيسة البيضا؟ وما قصتها؟.. هذا ما
نتعرف عليه داخل السبيل الذي يحمل اسمها ويقع خلف باب زويلة بالقاهرة القديمة
بواجهته النصف دائرية وشبابيكه المعقودة المشغولة بزخارف نباتية
معدنية.
نفيسة البيضا سيدة غنية قوية النفوذ كانت أمة
من العبيد حين جلبت إلي مصر، ولا يعرف أحد محل ميلادها أو أوصافها ولكن اسمها يوحي
بأنها كانت بيضاء البشرة.
تحكي قصة حياتها بأنها كانت نبيلة وكريمة
وموهوبة وذكية فذكر كاتب معاصر لها "انها كانت تعرف كتابات شعراء العربية كما لو
كانت العربية لغتها الأصلية برغم أنها لم تتعلمها إلا في وقت متأخر من حياتها"
وربما كانت تعرف الفرنسية إلي جانب قدرتها علي القراءة والكتابة بالتركية
والعربية.
كان سيدها الأول بالقاهرة هو علي بك الكبير
الذي كان الحاكم الفعلي لمصر، وقد اعتقها وتزوجها، وفي عام 1773 م لقي علي بك حتفه
علي يد قائده الخائن مراد بك حيث وعده احد المماليك بيد نفيسة إذا قتل
زوجها.
تزوجها مراد مباشرة وعاشت معه حياة الترف بما
جلبته له من ميراث شمل بيوت وقصور وتجارة وجيش خاص من 400 مملوك وأسطول من السفن
علي النيل.
أصبحت نفيسة امرأة قوية النفوذ فحين أعادت
بناء وكالتها التجارية التي اضافت لها هذا السبيل تولت الأمر بنفسها وباسمها الخاص
كما يقول بيت الشعر المنقوش علي رخام الواجهة "لوجه الله ما صنعت
نفيسة".
تولي مراد بك قيادة جيش المماليك الذي واجه
جنود نابليون بونابرت في يوليو 1798م ولكنه هزم في موقعة "الأهرام" وانسحب إلي
الصعيد ليشن حرب عصابات.
بقيت نفيسة في القاهرة وواصلت الإتصال به سرا
، وارسلت له اشارات من فوق سطح منزلها لمرة واحدة ورآها مراد بك من فوق قمة هرم
"خوفو". واتصلت ايضا بنابليون الذي استضافته علي العشاء في بيتها، وقد نجحت جهودها
الدبلوماسية حتي أن نابليون أصدر امرا لجنوده بحمايتها وظل صديقها إلي الأبد، لكن
هذه الجهود لم تستمر طويلا حيث مات مراد بالطاعون عام 1801م وانسحب الفرنسيون من
مصر في نفس الوقت تقريبا.
استعاد السلطان العثماني حكم مصر، وواصلت نفيسة دورها الذي
اشتهرت به في حماية المماليك وحماية ممتلكاتهم من الفرنسيين واصبحت معروفة بـ "أم
المماليك"، وقد حافظت علي مكانتها كسيدة موقرة ولكن ثروتها تضاءلت وماتت فقيرة عام
1816 م في بيت بناه لها زوجها الأول.
سبيل نفيسة
البيضا
|
|  | | أحد الشبابيك من الدخل | | |
في عام 1796م / 1211 هـ أمرت نفيسة البيضاء
ببناء سبيل يعلوه كُتّاب كمؤسسة خيرية ونقش علي واجهة
السبيل:
سبيل سعادة ومراد
عز
واقبال لمحسنة
رئيسه
يسرك منظر وصنع
بديع
وتعجب من محاسنه
الأنيسة
جري سلساله عذب
فرات
فكم أحيت به مهجا
بئيسة
نؤرخه سبيل هدي
وحسن
لوجه الله ما صنعت
نفيسة
واجهة السبيل نصف دائرية، ويطل على الشارع
بثلاثة شبابيك معقودة ومشغولة بزخارف نباتية معدنية، وهو أحد المكونات المعمارية
لمجموعة خيرية أنشأتها السيدة نفسية البيضا تتكون من سبيل يعلوه كتاب ووكالة تجارية
بها محلات تؤجر ويستغل ريعها للصرف على السبيل والكتاب، وحمامين يُسْتَغل ريعهما
لأوجه الخير، ويعلو الوكالة والحمامين ريع لإسكان فقراء المسلمين بمبالغ رمزية. وقد
عرفت هذه المجموعة باسم السكرية.
كان ماء الشرب يجلب من النيل ليباع في المناطق
السكنية وكان الغرض من السبيل تقديم ماء الشرب للمارة كعمل خيري، وكان الكُتّاب
مدرسة أولية لأطفال الحي.
وحين بني هذا السبيل كان واحدا من أكثر من 300
مبني من نوعه بالقاهرة، لم يتبق منها الآن إلا حوالي
السبعين.
ويتميز كل سبيل بنوافذ مغطاه بقضبان مزخرفة
جميلة تربط بها أكواب الشرب بسلاسل، وكان العاملون بالسبيل يملأون الأكواب من أحواض
رخامية ويسلمونها للناس في الخارج.
وكان الماء يأتي من صهريج تحت الأرض ملىء بماء
النيل الذي كانت تجلبه الجمال. ويختلف هذا السبيل في أن صهريجه لا يوجد اسفله وإنما
أسفل مبني مجاور، ويعتبر هذا السبيل نموذجا ممتازا للطراز المعماري العثماني في
أواخر عهده بالقاهرة.
وأثناء ترميم السبيل عثر علي مجموعة من قطع
الفخار التي تنتمي إلي فترات تاريخية مختلفة وأتى معظمها من أماكن بعيدة بعضها آوان
فخارية مملوكية محلية وبعضها وارد من الصين ووسط آسيا وأوروبا، وكثير من الخزف
الأوروبي كان عبارة عن فناجين قهوة.
كما عثر علي مجموعة غلايين تبغ عثمانية، ومجموعة أحجبة علي صيغ
دينية وسحرية وجدت ملتصقة بشقوق الحوائط كان الغرض منها حماية المبني من الإنهيار
ودفع الأذي عمن يرتادونه.
نبذة عن الأسبلة|
|  | | الاحواض الرخامية داخل السبيل | | |
يرجع أول سبيل / كُتّاب في القاهرة إلي القرن
18 الهجري / 14 ميلادي، وكانت هذه المباني ملحقة في البداية بمبان دينية، وفي
القرون اللاحقة كان الأغنياء يبنونها كمبان مستقلة أو يلحقونها ببيت أو منشأة
تجارية.
ويعد المماليك أول من شيد هذا النوع من
العمارة الإسلامية ، ويتكون السبيل من حجرة تسبيل، التي يطلق عليها "المزملة" حيث
تضم أحواضاً للمياه مفروشة بالرخام لتبريد الماء. كما تضم الحجرة الخراستان الذي تحفظ فيه أكواب
الشراب، ومن مكونات السبيل أيضاً الصهريج أو المصنع ذو الفوهة الدائرية، والمخصص
لتخزين الماء.
وأعلى الأسبلة يوجد دائما كُتّاب لتعليم
الأيتام القراءة والكتابة وحفظ القرآن، والكتاب هو تلك الغرفة المكشوفة الجوانب
المسقوفة برفرف لحماية الأطفال من الشمس والمطر. وتحتوي الحجرة على مصطبة لجلوس
التلاميذ مع شيخهم، وكذلك الكتبية لحفظ المصاحف وكتب
التفسير.
تاريخ التحديث :- توقيت جرينتش : الأربعاء , 5 - 3 - 2008 الساعة : 3:17 مساءً توقيت مكة المكرمة : الأربعاء , 5 - 3 - 2008 الساعة : 6:17 مساءً |