|
محمد
العدوي: الإخوان المسلمون مظلومون في رواياتنا!
محيط – سميرة
سليمان
|
|  | | الكاتب محمد العدوي | | |
محمد العدوي طبيب تخرج من جامعة
المنصورة، يمارس ويدرس الآن طب العيون .. كانت دراسته قبل الجامعية كلها في المدينة
المنورة.. لفت الانتباه بسلاسة عباراته ورشاقتها وأسلوبه السهل العميق في آن واحد
.. ودار حوار "محيط" معه حول روايته الجديدة "إشراق" التي عبرت عن حيرة الشباب
المصري الواقعية.
محيط : كيف راودتك فكرة الرواية؟
بدأت إشراق فجأة، بفصلها الأول
الذي كُتِب ولم أكن أقِّدر له أن ينتهي نصا طويلا كما انتهى. وكل غايتي منه حين
بدأْتُ أن أضع مفرداتي التي تعلمتها في مواضعها التي هي لها، كمن ينهي فصلا في كتاب
فيضع مختصرا له لتسهل العودة إليه فيما بعد، ما يعني أن إشراق بدأت كتابة خاصة لي
وحدي فلما سارت في الطريق التي سارت فيها وجدتني أتعلق بها وأحب أن يشاركني فيها من
أعرف.
محيط:
تقول في روايتك أن البدايات قد تأتي متشابهة لكنها لا تعني نهايات واحدة .. كيف
؟ في الفيزياء، عند إجراء نفس التجربة في ذات
الظروف فإن النتائج بالضرورة تكون واحدة أو متشابهة. وهذا المبدأ يصح في الحياة من
الجهة النظرية فقط. لأنه لا يمكن تحقق شرطه الذي هو المساواة المطلقة في الظروف.
فنحن نرى أننا كلنا نشترك في بداية واحدة في الحياة وهي
"الميلاد" وننتهي إلى نهاية واحدة في صورتها وحتى "الموت"، لكن ما وراء هذا الموت
وهي الآخرة التي تحوي الجنة والنار يجعل النهايات مختلفة حتما .. وبه لا يعتبر
الموت نهاية متشابهة لبداية متشابهة وهي الميلاد.
والله تعالى يقول "وفي الأرض قطع
متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقي بماء واحد ونفضل بعضها
علي بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون" سورة الرعد، وهو ذات المعنى
فالتجاور وحتى المشاركة في السقاية لا يعني التشابه في النتيجة وهو الأُكُل.. فثمار
الشجرة الواحدة بعضها حلو وبعضها أقل حلاوة.
محيط: كنت مدافعا قويا عن الإخوان المسلمين في روايتك
.. لماذا برأيك؟
لا أظن ذلك. كل ما فعلته أني
عرضت صورة جديدة ليست مألوفة في العرض للجماعات الإسلامية في مصر. وهو ما نعانيه
بشدة فكل الذين تطوعوا للكتابة عن هذه الفئة التي تنتشر في حياتنا بصورة واسعة
جعلوهم جميعا في صندوق واحد وهيئة واحدة رغم أنهم يحملون بينهم اختلافات كثيرة على
المستوى الفكري أو الحركي.
فيما يخص الإخوان فهم الأعلى
صوتا في الجامعة على الأغلب، وأثرهم سواء فيمن يتبع منهجهم أو يحتك بهم من بعيد
واضح . حتى ولو كان كأثر الملح في الطعام. وأي محاولة لفهم النسيج الفكري المصري
المعاصر دون أخذ الجماعات الفكرية الإسلامية سواء في ذلك الإخوان أو غيرهم في
الاعتبار يعد فهما ناقصا لن يصل إلى نتيجة حقيقية.
وأؤكد أنه ليس في الحياة منهج
تام الصحة والصلاح، كما يستحيل أن يكون منهج ما شرا محضا من أوله لمنتهاه ..
واللبيب من يستفيد لحياته من كل شيء حوله دون التحجر في ركن ما لعلل عاطفية أو رؤى
قاصرة . محيط: لماذا لم تذكر
اسم البطل في روايتك، ولا اسم مدينته التي على الصحراء؟
اسم البطل لم يكن ليضيف شيئا
وخصوصا أن النص في أكثره حكاية على لسانه. وكما يقول شكسبير فالذي نسميه الورد يفوح
ولو سميناه بغير اسمه، وفيروز تقول أيضا: "الأسامي كلام شو خص الكلام .. عنينا هنِّ
أسامينا".
واسم المدينة التي في
الصحراء ليس ضروريا فكل المدن في الغربة واحدة .. لا تمايز بينها سواء كانت الغربة
في الشرق أو في الغرب، وكان المقصد فقط أن أنوه على أن اكتساب البطل لمفرداته جاء
في بيئة غير تلك التي سيستخدمها فيها.
محيط: ليلى هي عقدة الرواية ومحنتها، ومع ذلك جعلت نهاية
علاقتها بالبطل مفتوحة.. لماذا؟
لم تكن نهاية مفتوحة فيما أرى..
صحيح أنني لم أُخبِر خبرا صريحا عن نهاية واضحة: هل تم لهما اللقاء أم أنهما انتهيا
إلى الفراق ..
بعض العلاقات تموت حين توضع لها
نهايات محددة حتى ولو كانت نهاية جميلة. إن الجمال الحقيقي في الحب هو في السير لا
في الوصول، الوصول في الحب نهاية ربما لا تصلح لابتداء جديد.. لذلك لم يصلا لنهاية
واضحة، ليظل أمامهما شيئا في الطريق يسيران فيه، ربما يوما ما حين يصل كلاهما لوزن
كل خطوط حياتهما بميزان واحد يمكنهما المشاركة فيه.
محيط: عرجت
سريعا وبعمق على معاني تشغل العقل العربي مثل العلاقة بالله، الإخوان والسلفية،
علاقة المسلم بالمسيحي ..حدّثنا عن ذلك؟
نحن في الحياة سلسلة علاقات بكل ما حولنا، بالله الذي خلقنا والذي نعود
إليه، وبالكون الذي نعيش فيه بما فيه من مفردات الطبيعة وبالخلق الذين خلقهم الله.
وعلاقاتنا بهذه الأشياء تختلف في العمق والسطحية حسب الطريقة التي تلقيناها بها،
وهناك كثير من الأشياء التي نتعامل معها ببساطة وسطحية رغم أنها تحمل معان كثيرة
عميقة تغير حياتنا وتضيف إليها أركانا جميلة عند التنبه لها، حتى في الأشياء التي
نعتبر وجودها سلبيا أو ذا ضرر واضح.
الأصل في الأشياء الجمال أما
القبح فعرض دخيل عليها. أو هو من اعتلال إدراكنا في الغالب. الاختلاف الذي بين
الأديان بل وحتى الذي بين أهل الدين الواحد، كل ذلك هو ما يصنع في النهاية الصورة
الكاملة للحياة.
في "علم الأحياء" هناك الكثير من
الأحياء التي نسميها ضارة لكن وجودها ضرورة بقاء للحياة بأسرها.. وتجربة انتزاع شيء
منها كالذباب مثلا يخل ميزان الحياة كلها، وغاية القول أن نتتبع الجميل في القول
والفعل والإدراك ونعلم أين هو لنعيد بناء معان الأشياء في نفوسنا استنادا إليه.
محيط:
في بعض مشاهد الرواية يختلط الشعر بالنثر هل لك تجارب شعرية من
قبل؟ لم يحدث أن قلت شعرا أبدا ولا فكرت في ذلك.. إنما
الشعر يفرض نفسه فرضا، والأبيات القليلة الواردة في إشراق أشرت في آخر الرواية أنها
من ديوان أحمد بخيت "الليالي الأربعة". محيط: قلت في الرواية أن في القلب غرف كثيرة صعب أن يسكنها كلها شخص
واحد .. هل يتنافى ذلك مع الوفاء في الحب؟
نريد أن نعرف أولا ما هو الوفاء
وما الإخلاص لتكون الإجابة كاملة! لننظر مثلا إلى بنات الملك لير الثلاثة، اثنتين
ادعتا لأبيهما المحبة الكاملة المطلقة وهو ما أرضى نفسه والثالثة قالت إنه اليوم
يملؤ قلبها وغدا يشاركه زوجها هذا القلب وهو ما اعتبره خيانة ورفضه في حين أنها
الوحيدة التي ثبت فيما بعد منها الوفاء والإخلاص.
المحبة ارتعاش القلب الحي. و هي
الوسيلة التي يعبر بها القلب عن مدركاته.. ومادام القلب حيا فهو متجدد الحب. أما
الإخلاص والوفاء فهما سلوك الإنسان القويم. إننا نحب لأن في قلوبنا حياة. ونخلص لأن
في أخلاقنا حياة أرحب.
أما هذا التعبير فقد فسره النص
حين قال إن كل ما يسكن القلب لا نجد له إلا هذه الكلمة "الحب" .. ومنه نحب آباءنا
وأمهاتنا وأصدقاءنا وشركاء حياتنا.. وأيا من هذا الحب لا يمكنه أن يغني عن
البقية. محيط: كتبت أن كل من يمر بنا يترك فينا
أثرا باقيا.. بمن تأثر محمد العدوي؟
ما من شيء نحتك به في حياتنا إلا
وله أثر باق فينا تنبهنا له أم لا. وإذا كان السؤال "بمن" التي تعني العاقل فعلى
الصعيد الشخصي كان لأبي وأمي أعظم الأثر في صناعة إدراكي ثم كثير من مدرسيّ، ثم
مكتبة أبي الصغيرة وبالأخص كتب الرافعي والعقاد وتوفيق الحكيم ثم أناس سمعتهم ولم
ألتق بهم منهم الدكتور علي جمعة والدكتور محمد سليم العوا. ثم أصدقائي جميعا.
وكثيرون سواهم لكن هؤلاء لي منهم الحظ الأكبر.
محيط: بشكل أقرب إلى الصوفية جعلت الحب مدخلا للدين وطريقا للتعلق
بالله..اشرح لنا؟
هل قال أحد غير ذلك؟! إن الله
خلق الإنسان عقلا وقلبا وجسدا يحويهما .. ودينه الذي ألزمه السير به في الدنيا حتى
يلقاه لابد وأن يكون قادرا على ملء كلا التكوينين دون تعارض مع الوسيط الذي هو
الجسد، وهو ما يفسره المنهج الإسلامي بوضوح.
إن تعبيرك "مدخل" تعبير جميل لأن
الناس تظن أحيانا أن التصوف بديل للدين لكن التصوف وحده قاصر أيضا عن القيام بما في
الحياة من حقوق. يقول الإمام الشافعي :
فقيهاً وصوفياً فكن ليسَ واحداً,
فَإني وَحَقِّ اللَّهِ إيَّاكَ أَنْصَحُ.
فذلك قاسٍ، لم يذق قلبه تقى ْ,
وهذا جهولٌ، كيف ذو الجهل يصلحُ؟ .
محيط: حدّثنا عن جديدك؟
ليس هناك شيء منته حتى الآن..
أسير في "كتاب الرجل" وهو كتاب أتعقب فيه الرجل في كل أحواله محبا ومحاربا وفيا
وخائنا، على لسانه وعلى ألسنتهن . و"سفراء الجمال" وهو رصد للجمال في التصور
الإسلامي للكون والحياة. وقد تكتمل لدي مجموعة قصصية قبل ذلك، أما عمل روائي فأمامي
بعض الوقت لأضع خطوط شيء جديد وإن كانت فكرته حاضرة هذه
الأيام.
اقرأ أيضا:
في رواية
"إشراق"..عقل وقلب ونفس حائرة
تاريخ التحديث :- توقيت جرينتش : الثلاثاء , 27 - 10 - 2009 الساعة : 5:47 مساءً توقيت مكة المكرمة : الثلاثاء , 27 - 10 - 2009 الساعة : 8:47 مساءً |