|
السكتة الكلامية
أولى أعراضه "التليفزيون" بساط
سحري ينقلك لعالم الأوهام
محيط – هالة
الدسوقي
تحدثين زوجك فلا يعيرك اهتماما ويشير لكِ بيده أن تصمتي؛
لأنه يشاهد المغنية اللولبية فلانة أو علانة .. وكذلك الحال عندما تنادين ابنك فلا
يستجيب لكِ لأن مباراة بين الفريق الأحمر والأبيض بدأت، وتردين لهم هذا الموقف
المحرج عندما تغرقين في عالم الخيال والأحلام مع بطل المسلسل الرومانسي الشهير،
وللأسف ينسيكِ الانسجام مع الأحداث الطعام على النار حتى يصبح رمادا لا تخطئ الأنف
رائحته ولا العين لونه القاتم.
كل هذا بفعل التليفزيون ـ ذلك الجهاز العجيب ـ الذي احتار
أجدادنا بشأنه ولم يصدقوا أنفسهم بأن من يوجد في بلد بعيد يمكنهم رؤيته وهم على بعد
مئات وآلاف وملايين الكيلومترات .. وتطور الحال ودخل كل بيت دون استثناء ليصبح فردا
من أفراد الأسرة بل أهمهم على الإطلاق، وبدأت سلبياته في الظهور حتى أطلق عليه
الداعية المصري الشيخ عبد الحميد كشك، رحمه الله، لقب "المفسديون" لسلبياته التي
كانت أقل بمراحل مما هو عليه الآن.
مفرق
الجماعات
وأول سلبيات "التلفاز" تظهر في قطع علاقة الود بين
أفراد الأسرة الواحدة ويجعل كل منهم في عالم منفرد وشيئا فشيء يقل التواصل وينتهي
الحوار، وهو ما يؤثر سلبا خاصة على الأطفال الذين يحتاجون للتفاعل المباشر مع
والديهم وأخوتهم، ولكن التلفزيون يجذب انتباه الجميع إليه فبدلاً من أن ينظر
الأطفال بعضهم إلى بعض ينظرون إليه وعندما يبكي طفل أو يريد أن يتكلم بشيء يقوم
الآخرون بإسكاته فوراً ربما بعنف.
ومما لا شك فيه أن ما يعرض على شاشات التليفزيون من مشاهد
خادشة للحياء ومثيرة للشهوات قد أثرت في تغير منظومة القيم والمبادئ والأخلاق في
المجتمعات المختلفة حتى أضحت مهددة بالانقراض من حياتنا، كما أنه ساعد على رفع
معدلات الجريمة من خلال تشجيعه على العنف والسلوك
العدواني.
ويلخص د. محمد حسن غانم، أستاذ علم النفس بجامعة حلوان، تأثيرات
التليفزيون الخطيرة على عقلية الطفل خاصة في الآتي:
- يمنع التليفزيون الأطفال من ممارسة الأنشطة الحركية والثقافية
الأخرى.
- يحرم الطفل من التفاعل والتواصل
الاجتماعي.
- تزداد احتمالات إصابته بالبدانة من جهة، وبالانطواء
النفسي من جهة أخرى.
- كما أنه يتأثر بالشخصيات التي تعرض أمامه، خاصة أن
التليفزيون يعرض هذه الشخصيات بصورة مؤثرة جذابة قد تصل بهم إلى مرحلة الإدمان
والتعلق الشديد به، وقضاء أطول فترة أمامه، ومن ثم احتمال التمرد على أوامر
الوالدين التي قد تحرمهم من متابعتها.
الانسحاب من
الواقع
-
الانفصال عن الواقع والقيم والتقاليد نتيجة العيش في عالم مبهر بعيد عن الواقع، وهو
الخطر الأكبر لهذا الجهاز، حيث يؤثر على نفسية الفرد، فيساعد في مسخه وتحويله إلى
شخصية فارغة لا تقدر على نفع نفسها أو مجتمعها فهي تعيش في عالم خيالي بعيدا عن
الواقع، وفي ذلك يقول المفكر "مارتين بروتيان" : "إن معنى الحياة التليفزيونية أننا
لا نحيا حياتنا وإنما التي يحياها التليفزيون لنا فهو يفكر ويسمع لنا ويعوق تطور
الشخصية واستقلالها فهي تشريح للفكر الجديد الذي فرض علينا". كما يؤكد المفكرون
"باركر ولايل وشرام" أن التليفزيون يؤدي إلى الانسحاب من الحياة الواقعية ويسلب
إرادة المشاهد ويقضي على خياله الخصب ولهذا يصطدم المشاهد بثقافة الصورة التي تنتزع
الحس البشري وتضعف الذاكرة.
والتليفزيون بطريقته في تقديم الصورة المرئية يختلف عن
أشكال الفنون الأخرى كالنحت والرسم، التي تعمل على خلق عالم متطابق مع الواقع
كالصورة الفوتوغرافية أو عالم بديل للواقع أكثر صدقاً أو أكثر سحراً كلوحة الفن
التشكيلي، كما أوضح محمد السموري في موقع ديوان
العرب.
تقديس
الوهم
وينطبق على التليفزيون في تزييفه للواقع نبوءة الفيلسوف
الألماني فيورباخ في القرن التاسع عشر، حيث قال "إن العالم المعاصر يفضل الصورة على
الشيء والنسخة على الأصل، ويقدس الوهم على الواقع"، حيث أوجدت المستحدثات
التكنولوجية الصورة التي تستطيع أن تخدع المتلقي وتزيف الواقع أمام عينيه باستدعاء
الموضوعات المجردة واللامعقولة لتحولها إلى صورة يتحد بها الواقع مع الصورة
الخيالية التي تتميز بسمات أسطورية وسحرية، وبالتالي ظهرت خطورة الصورة المرئية في
تكوين قيم الشر وتشجيع القبح الثقافي ونمو هرمونات العدوانية والانحراف
.
كما وصف الفيلسوف الفرنسي بيير تيفيه خطورة التليفزيون
في مؤتمر نيس العالمي للكتاب بقوله: "لقد أصاب الكبار خيال الأطفال بالمرض بسبب
الإعلانات وحلقات الإذاعة والتلفزيون ومغامرات السوبرمان وبسبب تزييف الكبار للخيال
وتحويله إلى ضرب من الإثارة غير الهادفة" .
وحذر الدكتور محمد جابر الأنصاري من التهديد بتدهور
العقل نتيجة سيطرة الصورة الحسية لتحل محل التصور الذهني اللاحسي في ظل التلفزيون ،
حيث درس في كتابه "انتحار المثقفين العرب" تأثير التلفزيون على الأجيال الجديدة
التي تعتمد على تلقي المعلومة المعرفية بالصورة بدلا من تلقيها بالكلمة وما ينتج
عنه من قصور ذهني وتجريدي.
وقارن بين هذين النمطين من التلقي المعرفي حيث حل
التلفزيون محل الأبوين في المنزل في توجيه الطفل وتكوين عقليته في جوانب التأسيس
البيداغوجي ( التربوي ) والابستمولوجي ( التعليمي ) وتكوين العادات والسلوكيات
الحياتية الأساسية والتوجيهات الشعورية والعاطفية مما يخلق نمطاً مغايراً لما تأسست
عليه البشرية في نمط التلقي المكتوب والرمزي، حيث يقوم التلفزيون بتزويد البصر بكل
إمكانات التزويد الحسي الدقيق والنافذ في خفايا الطبيعة والمادة، وبالتالي ينزع من
البصيرة التجريد الرياضي والديني والفلسفي والجمالي واللغوي مما يفسر التدهور
الحاصل في المستوى الفكري المعاصر.
وفي ظل التلفزيون عاد الإنسان إلى التفكير بالصورة
الحسية وأخذت تتقلص لديه ملكة الإمكانات الذهنية والمجازية واستسهل المشاهد الحسية
بقدر ما استصعب القراءة الفكرية والمعاني الروحية التي بدورها تهب الإنسان قيمة من
حيث هو كائن عقلي وروحي، فقد فقدت أجيال التلفزيون الإمكانات اللغوية الراقية
والتحاور الاجتماعي لطول تعاملها مع التلفزيون حتى أصبحت أقرب إلى الصمت منها إلى
النطق والإفصاح.
حكايات
جدتي
ولم يستطع التلفزيون عبر قصصه ورواياته أداء دور الجدات في تقديم القصة
والحكاية بما يثري خيال الأحفاد الذين يشكلون عالم القصة كما يحلو لهم، وهو ما أنتج
فيما بعد الفلسفة والشعر والأساطير والروايات العالمية، فالأطفال يملكون خيالاً
تصورياً بحاجة دائمة إلى التنمية والتوجيه والاستثمار بدلاً من التحطيم عن طريق
تقديم بيانات جاهزة لعقل الطفل تجعل تفكيره التصوري يتراجع ويضمر أو يقف مؤجلاً
لحين الفراغ من فيلم الكرتون الذي يصور الشخصيات بدلاً
منه.
لقد كان إلحاح الأطفال على الجدات لسرد الحكايات
والاستفسار عن بعض التفاصيل أو حتى إعادة الحكاية عدة مرات له أهميته العقلية
واللغوية والحوارية الخاصة، اليوم هي مهددة بالضياع بسبب الصمت الذي يفرضه
التلفزيون بشكل قسري والتسكيت بمناسبة وبلا مناسبة مما يجعل هذا الطفل المسكين في
حيرة وتشتت دائم ويقع بين الحذر من التسكيت وإلحاح الحاجات المعرفية الدائم التي
تتطلب الكلام واللعب والحركة وغيرها،
بينما يعتبر كل كلمة تخرج من فمه من المحذورات التي قد يؤنب عليها من قبل
المعلم أو الوالدين.
تاريخ التحديث :- توقيت جرينتش : الثلاثاء , 18 - 8 - 2009 الساعة : 12:42 صباحاً توقيت مكة المكرمة : الثلاثاء , 18 - 8 - 2009 الساعة : 3:42 مساءً |