|
الكاتبة
فوزية مهران لـ"محيط" "الطاعة العمياء" تسقط الأوطان .. درس لم
يدركه عبدالناصر
محيط - سميرة سليمان
|
|  | | الكاتبة فوزية مهران | | |
"الحقيقة أن مبادئ ثورة يوليو
وأهدافها إنسانية وعظيمة طالما حلم بها وتمناها كل المصريين، ولكن ما حدث هو أن
الثوار لم يكونوا على مستوى الثورة ومبادئها".
هذا كان رأي أديب نوبل نجيب
محفوظ في ثورة يوليو..ولرغبتنا في التعرف عن قرب على حقائق ثورة يوليو بلسان أحد
معاصريها التقت شبكة الإعلام العربية "محيط" الأديبة والصحفية والناقدة فوزية مهران
التي لمعت وبدأت كتاباتها مع ثورة يوليو لتحدثنا عن آمال وطموحات وانكسارات الثورة.
السطور القادمة تحمل شهادة الأديبة على ثورة يوليو في ذكرى 57 عاما على
قيامها.
محيط: ما هي
شهادتكم على ثورة يوليو، ما الذي قدمته لمصر وما الذي أخذته
منها؟
فوزية: أهم ما أعطته لنا ثورة يوليو هو الأمل، لأن الفترة التي
سبقتها اتسمت بالاضطرابات، فالوزارات تتغير والأوضاع غير مستقرة، وغير عادلة،
والجميع صغارا وكبارا كانوا يتوقون إلى ثورة تصحح الأوضاع، ولكن الجميع يتساءل من
القادر على القيام بها في ظل أحزاب ضرب فيها الفساد، تمثل الإقطاع، ولا تعبر عن
الشعب ومن ثم كان الميزان غير معتدل في المجتمع.
وعند قيام الثورة كنت في بداية
الدراسة الجامعية، شعرنا بالأمل يتسع من أجل تغيير مستقبل مصر وبالتالي تغيير
مستقبل المنطقة العربية والشرق الأوسط بأكمله، الأمل في العدالة الاجتماعية، فهي
ثورة للتغيير خاصة أنها قامت بيضاء بدون إراقة دماء. وأنا ضد مقولة أن الثورة انقلاب عسكري لأن الجيش ثار على أوضاع
فاسدة في الجيش أولا، ثم البلد كلها ثانيا.
لكن سلبيات الثورة تكمن في الشدة التي تعامل بها النظام مع
المواطنين، وذلك ينبع من طبيعة الجيش الذي يتطلب النظام الصارم والطاعة العمياء،
بالإضافة إلى التقييد على الشخصيات فالثورة سمحت بكل الكتابات الإبداعية فيما عدا
التي تنتقد السلطة، وهذا هو الخطأ القاتل للثورة الذي يكمن في عدم تفهمها للنقد
بأنه وسيلة لإصلاح الأوضاع وليس الهجوم عليها وتدميرها، لكن الثورة كانت تخشى النقد
وتعتبر القائم به عدوا للنظام.
عندما يغيب النقد البناء الذي
يبتغي الحقيقة والمصلحة العامة ولا ينطلق من أهواء شخصية تتجمد الأشياء وتنغلق على
نفسها، ومهما كانت النظريات رائعة في جوهرها تتجمد وتتلاشى لأنها أصبحت مثل معتقد
لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه، وهذا هو خطأ الثورة
القاتل.
محيط: رأى نجيب
محفوظ أن الثورة جرت النكبات على مصر، انتقد قرار تأميم قناة السويس، واعتبر أن
مجانية التعليم خفضت مستواه، كما انتقد معارك عبدالناصر الكثيرة مع الخارج، فما
رأيك ؟
فوزية: محفوظ كان يرى أن مهمة الأدب هو النقد فهو دائما ينظر
إلى النموذج المثالي، ولكني اختلف معه بشأن مهاجمته قرار التأميم، الذي جاء
في وقته حتى تصبح قناة السويس ملكنا.
أما عن مجانية التعليم فالخطأ في التطبيق وليس النظرية، والدعوة
إلى مجانية التعليم بدأت منذ عهد طه حسين حين نادى أن يصبح التعليم مثل الماء
والهواء، لأن بالتعليم تتحقق النهضة. نجيب محفوظ لم ينظر إلى أن التطبيق هو
السئ، رغم أنه أحد أفراد الأسر البسيطة المتوسطة وبالتعليم أصبح أديب
نوبل.
ولكني أتفق معه بشأن الحروب والمعارك الخارجية الكثيرة التي
خاضها عبدالناصر، لأنها قرارات اتسمت بالاندفاع، فلا جدوى من حرب اليمن مثلا التي
شتت قوى الجيش، واتفق مع محفوظ حين قال: "لقد كانت أخطاء عبد الناصر كثيرة ولكن
خطأه الكبر الذي أثار غضبي عليه هو أنه أضاع فرصة تاريخية نادرة لينقل مصر نقلة
حضارية هائلة أشبه بما حدث في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، كانت الظروف
مهيأة له، ولكنه أضاع الفرصة، بمعاركه الكثيرة التي
خاضها".
محيط: كتبتي في
رواية "جياد البحر وحواجزه" عن الثورة والانكسار بعد هزيمة 67، قائلة عن أسباب
الهزيمة: " الأمم كما الأفراد تحل بها اللعنة إذا عتت و فسقت عن أمر ربها، خرجت عن
شريعة الحق و العدل بين أبنائها .. فكتب عليها الذلة و المسكنة".. حدّثينا عن
ذلك؟
|
|  | | صور من نكسة 67 | | |
فوزية: جيلنا هو الذي تلقى ضربة
قاصمة بالهزيمة لأننا بدأنا بالأمل فالمجد الوطني كان في أعلى مراحله مع بداية
الثورة، خاصة في فورة الشباب شعرنا أننا الجيل الموعود لأننا أبناء الثورة وأبناء
الفكر الجديد الذي يتقدم بالمجتمع، وفجأة أفقنا على صدمة الهزيمة لأننا كنا غير
مستعدين أن نخوض الحرب.
وسبب الهزيمة الرئيسي هو غياب
النقد والانصات إلى عبارات المدح الرنانة من المنافقين والمنتفعين وذات الأمر هو
الذي عجل بانتهاء امبراطورية الاتحاد السوفيتي، كنا نستند إلى قوة ولكننا وجدنا
أننا نستند إلى فراغ.
وكتبت أيضا في روايتي عن السفينة
التي يسيرها الربان بالحب والعدل، والسفينة هنا من قلب الوطن وإليه، وهذا
المعنى عبرت عنه قبل حدوث الهزيمة في قصة "بيت الطالبات" التي أصور فيها البنت
المصرية الجديدة التي شعرت أنها يجب أن تشارك في بناء الوطن.
وهو بيت تتجمع به الفتيات من أجل العلم، القيادة القائمة عليه
لجأت إلى التجسس على الفتيات بحجة حمايتهن، وكان هذا إشارة لما كان يحدث في مصر،
وعبرت عن رفضي لهذا الأسلوب من خلال كتاباتي لأنه بالحب والعدل تتحقق
المبادئ، وليس بالقهر.
جاءت النكسة لتجعل القادة
يستيقظون على الحقيقة ليعرفوا أنه ليس كل من يحني الرأس على صواب، عبد الناصر لا
يمكن تجريده من المسئولية عن النكسة، ولكنه في رأيي مثل الأب القاسي هو يريد
المصلحة ويريد وطنا مستقرا لكن النوايا الطيبة لا تكفي للوصول إلى الجنة، كان حوله
مجموعة من المنافقين والفاسدين، فعندما نحيد عن الحق ونستمع للزيف ولا نواجه
الحقيقة تكون النكسة أمر طبيعي.
محيط: العلاقة بين الأدب والثورة علاقة متشابكة؛
فبعد قيام الثورة نشأت بين المبدعين والثوار حالات تراوحت بين الصفاء والشد .. فإلى
أي مدى أثرت الثورة في وجدانك كمبدعة؟
فوزية: أثرت كثيرا فيّ وفي إبداعي، ولكني تعرضت لصراع
نفسي بين رغبتي في قول الحقيقة والملاحقات العديدة التي تعرضت لها رغم خلوها من
العنف، فلم اعتقل ولم أسجن، ولكني تعرضت إلى ضغوط بشكل غير مباشر وهو الأصعب لأن
المحيطين بك يجدون تغيرا في كتاباتك دون سبب واضح لديهم، رغم الضغوط الشديدة علي
واختناقي البطئ قاومت وسجلت في رواياتي بأسلوب غير صريح ما كان يحدث في هذه الفترة
من ملاحقات على الابداع والمثقفين، ولكني لم استجب وكتبت ما رأيته صحيحا وما أقتنع
به.
محيط: هل شوّه
الاعلام الناصري حقبة ما قبل الثورة كما ذكر كثير من المؤرخين؟
فوزية: بالفعل حدث هذا من
الإعلام الناصري، وكان هذا هدفا قصير النظر من أهداف الثورة أن تمحو تاريخ مصر وكأن
التاريخ بدأ بثورة يوليو، وهذا غير صحيح فتاريخ مصر ممتد وعريق وجذوره ضاربة في
الحضارة.
وبأقلام المنافقين قامت
الثورة بتشويه التاريخ، فعبد الناصر فشل في اختيار معاونيه، ومن حوله ساهموا في
تضليله. هذا بالطبع لا يعفيه من المسئولية، ودائما ما أقول أن الكبير تكون أخطاؤه
كبيرة وعبد الناصر كان كذلك بالفعل، ولا يمكن أن ننفي عنه الصدق والوطنية.
ومن أخطاء الثورة الجسيمة أن عبد
الناصر حين نادى بالاشتراكية جعل رموز الرأسمالية ووحوشها هم القائمين على تنفيذ
مشروعه الاقتصادي، ومن أخطائها أيضا استخدام تعبير "أهل الثقة وأهل الخبرة"،
وأتساءل : لماذا يحتكر أشخاص بعينهم الثقة دون غيرهم والأيام كشفت عن إلحاقهم الضرر
بالمجتمع وأنهم كانوا بعيدين عن الثقة تمام البعد.
محيط: ما رأيك في
قول الروائي خيري شلبي أن الثورة تجسدت بها كل أشكال الديكتاتورية، ورسخت الخوف
والذل في نفوس المصريين؟
فوزية : الثورة بالفعل زرعت بذور
سيئة في نفوس المصريين ظنا منها أنها تحمي نفسها فرأينا الولد يتجسس على والده،
والطلبة على أستاذهم، ونسى عبد الناصر الذي نال من الحب ما لم ينله أحد أنه زعيم
بشعبه وثقتهم فيه وحبهم له وليس بالترويع.
عندما كنت أرى أسماءا لامعة
تعتقل من المثقفين لأسباب واهية كان يصيبني الأسى وليس الخوف صحيح أن الكاتب يمكن
أن يشكل كتيبة بأكملها ولكن الفكر يجب أن يحارب بالفكر والاقناع، كذلك كان يبكيني
دموع الأمهات حين يختفي أبناؤهم من أحضانهم دون سبب، فمن يخرج على القانون يجب أن
يعاقب ولكن لا يعذب.
كان الكفار يفترون على النبي صلى
الله عليه وسلم لكن استقامته كانت ترد عليهم ؛ فالمبادئ هي البوصلة التي تحركنا،
وإذا تخلينا عنها لن نحقق شيئا.
محيط: إلى أي
مدى حققت الثورة مبادئها..وماذا تبقى منها؟
|
|  | | جمال عبد الناصر | | |
فوزية: تحققت أشياء ولم تتحقق
أشياء أخرى، تبقى من الثورة أفكارها المجردة التي زرعتها في الأرض وأينعت ثمارها،
ولكن الثورة أخفقت في تحقيق العدالة الاجتماعية التي قامت من أجلها.
لكن زاد الوعي لدى المصريين،
ولازلنا نطالب بالمزيد. فالثورة لم تمت بموت عبد الناصر بل بالعكس ظهرت ثمار الوعي.
فالثورة أنارت في جهات كثيرة وعتمت في جهات أخرى، ولكنها في النهاية كانت ضرورة
لابد منها.
محيط: هل كان عبد
الناصر مؤمنا بقيمة الثقافة والمثقفين؟
د.فوزية: كان مؤمنا بهم، ولكن لا
يطلق لهم العنان، هو يستخدمهم وقت ما يشاء فقط ويحبسهم داخل القمقم حين يريد، كان
يحترم الموهوبين ولكن في إطار عدم تأثيرهم على السلطة وكيانها.
وكان هذا الفكر علامة سوداء في
تاريخ الثورة، ودائما ما أتساءل كيف كان يتعامل عبد الناصر مع أعوانه الذين قاموا
بتعذيب المواطنين؟ هل حاسبهم أم تركهم كالوحوش الهائجة؟ هذه هي الندوب والثقوب
السوداء في ثوب الثورة.
تاريخ التحديث :- توقيت جرينتش : السبت , 25 - 7 - 2009 الساعة : 12:49 صباحاً توقيت مكة المكرمة : السبت , 25 - 7 - 2009 الساعة : 3:49 مساءً |