|
في "البصرة حبيبتي".. نبيل راغب يكتب
الحب بطعم الرحيل
|
|  | | غلاف الرواية | | | محيط – هالة الدسوقي
القومية العربية .. عبارة أصبحت
غريبة على آذاننا جميعا وغادرت حياتنا لتقبع بين دفتي رواية "البصرة حبيبتي" للأديب
الدكتور نبيل راغب ، الرواية شاهدة على عصر كانت فيه العراق قوة عظمى بحق ، وجاء
العنوان جاذبا وموجعا في ظل احتلال العراق من جانب جيش الحلفاء بزعامة الولايات
المتحدة الأمريكية .
"خالد" بطل الرواية جراح مصري
مشهور تطوع كطبيب في القوات المسلحة العراقية دفعه إلى ذلك إيمانه بأن العراق تخوض
معركة الأمة العربية كلها ضد العدوان الفارسي ، وفرارا من جحيم الغيرة والشك
الذي أحرقته به زوجته سهام وشوقا لحب ليلى العراقية زميلته في الجامعة والتي انقطعت
عنه أخبارها من 20 عاما ولأنه يعتبر العراق وطنه الثاني فأخته صفاء متزوجة من
الصحفي العراقي سعدون الذي يتفجر عشقا لمصر، بجانب عشقه للقومية العربية التي زرعها
بداخله والده الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة القاهرة.
بين ليلى وسهام
نمطان متضادان من المرأة قابلهما
خالد في حياته، الأول تمثله زوجته "سهام" التي تمتاز بالطيبة والرقة والبراءة بل
والطفولة. عملت بعيادة أبيها بعد تخرجها على وعد من خالد بالزواج منها، أما غيرتها
الفائقة عليه فأرجعها إلى الفراغ الذي تعانيه، لم تكن لسهام أية اهتمامات ثقافية أو
فكرية ولم تكن متفوقة نهائيا في دراستها، بل كانت ترى بضرورة عودة المرأة لبيتها
طالما تملك دخلا يغنيها عن العمل ، أما شاغلها فهو الاحتفاظ بخالد لها وحدها لذا
تحارب بأسلحة الغيرة والقلق والشك في كافة الجبهات خوفا من استيلاء غيرها
عليه.
والنموذج الثاني مثلته "ليلى"
العراقية التي قابلها خلال عمله كمعيد بالكلية وهي مثقفة من الطراز الأول مؤمنة بأن
دور المرأة في بناء المجتمع والدفاع عن الوطن لا يقل في خطورته وحيويته عن دور
الرجل، وكثيرا ما كانت تقول لخالد أن الطبيب المثقف خير من غير المثقف .. جميلة
المظهر والجوهر كانت هي.
فراق
وارتباط
قبل عشرين عاما أحب خالد ليلى حبا
جما بعد مقابلته إياها وبرغم ارتباطه بسهام. وتأكدت ليلي أيضا من حبها له، ولكن كان
عليها التأكد من ذلك ووضع مشاعرهما محل الاختبار وخاصة أنها كثيرا ما كانت تشعر
بالتزام داخلي من جانب خالد نحو سهام، ولذا تحينت الفرصة للعودة إلى العراق، وهو
الوقت الذي طلبها خالد للزواج ، وأرادت أن تختبر مشاعر كل منهما نحو الطرف
الآخر.
وخلال هذه الفترة لعبت سهام دورها
في استعادة خالد ثانية إلى عرينها، وكتمت غيرتها المشتعلة من ليلى لتظهر أمامه فتاة
ناضجة في محاولة منها للتشبه بها، ولكنها كانت على يقين بأن إنهاء العلاقة بين ليلى
وخالد كانت سببها السفر، وليس لأن الحب قد مات من تلقاء نفسه.
وكان خالد قد أدى الخدمة العسكرية
كضابط احتياط كما شارك في حرب أكتوبر. واستهوته الحياة العسكرية أكثر من السلك
الجامعي ولذا قرر أن يعمل طبيبا بالقوات المسلحة. وكان أجمل ما في الحياة العسكرية
أنها حياة بمعنى الكلمة وتستغرق معظم وقته وتعزله عن الحياة المدنية، وبالتالي عن
غيرة زوجته القاتلة التي كانت تطارده أينما ذهب وضد أي زميلة أو طالبة تتحدث
معه.
غيرة قاتلة
|
|  | | بين الطبيب خالد والطبيبة ليلى | | | حاول خالد
أن يدفع الزوجة للعمل ثانية في عيادة أبيها بعد أن كبر طفليهما دعاء وأيمن ولكن دون
جدوى وكأنها رصدت حياتها لرصد حركاته وسكناته. وظلت ليلى هاجسها الأكبر، حتى وصل
بها الأمر إلى الظن بأن خالد يتابع أخبار الحرب العراقية الإيرانية من باب الاهتمام
بالحبيبة الغائبة!.
وهنا قرر خالد الابتعاد والتطوع
كطبيب في القوات المسلحة العراقية، وخاصة أنه يفضل إنهاء مأساته بالطلاق الذي
هاجمته فكرته بعنف ولكنه سرعان ما كان يتراجع كلما لمح في أفق وجدانه صوت دعاء
وأيمن.
وأخبر سهام بقراره الذي قابلته
برفض شديد، ولكن خالد لم يتراجع عن قراره وخيرها بين القبول بسفره أو الطلاق فرضخت
لقراره؛ لأنها لا تستطيع أن تتصور الحياة بدونه وأن احتمال عودته من الحرب أقرب من
عودته من الطلاق حيث يبدو أمرا مستحيلا.
استقبلت خالد بمطار بغداد أخته
صفاء وزوجها الصحفي سعدون وسط خوف جامح على أطفالهم طارق وسلمي الذين كانا بصحبة
جدتهما في قلب بغداد بعد أن سقط صاروخ في هذه المنطقة ولكنهما حمدا الله أنه سقط
بعيدا بعض الشيء عن منزلهما.
اجتر خالد الذكريات بصحبة أخته
وزوجها وجاء ذكر ليلى و سأل خالد أخته عن أخبارها، مبرهنا عدم تزحزح حبها من قلبه
قائلا :"في الواقع .. ليلى شخصية لا تنسى .. آن الأوان لندرك أن الحب التقليدي ليس
العلاقة الوحيدة الممكنة المثمرة بين الرجل والمرأة .. بل هي رابطة أقوى وأعمق و
أشمل من هذا بكثير".
جذور المشكلة
وبعد أن حصل سعدون على بغيته بأن
حب ليلى مسيطرا على خالد رغم مرور كل هذه السنين. انتقل بحواره معه إلى الحرب
العراقية الإيرانية التي شرحها له بقوله :"منذ أن انفصل العراق عن التبعية
العثمانية وأصبح يتمتع باستقلال سياسي .. ومنذ أن أصبحت إيران دولة حديثة أخذت تطلق
التصريحات بعدم الاعتراف بالحدود القديمة وبالفعل شرعت في افتعال المشكلات مع
العراق .. وعندما تسلم حزب البعث العربي الاشتراكي السلطة السياسية .. وتولى مقاليد
الحكم في العراق .. تذرع بكل ما أمكنه من صبر وحكمة على اعتداءات سافرة .. وعلى
تدخلات في شئونه الخاصة .. افتعلت إيران إلغاء معاهدة 1937 واتفاقية الجزائر 1975
خصوصا بعد تسلم خميني الحكم في إيران"
"وأعلنت المذكرات العراقية إلى
المحافل الدولية الكثير من الاعتداءات الإيرانية على حدود العراق ومدنه في المناطق
الشرقية منها 293 مذكرة تشير إلى 244 اعتداء عسكريا إيرانيا خلال الشهور الثلاثة
التي سبقت شهر أيلول عام 1980 و 249 خرقا جويا.ولذلك لم يكن أمام العراق إلا أن
يبدأ في عمليات الرد العسكري لحماية أراضيه."
وتعجب خالد من أمر هذه الأمة
العربية التي لم تعرف طريق العدوان واغتصاب حقوق الآخرين، ومع ذلك كتب عليها أن تصد
العدوان وأن تدافع عن حقوقها التي يصر الحاقدون على اغتصابها جهارا
نهارا.
البصرة
|
|  | | جانب من ضحايا الحرب العراقية الإيرانية - أرشيف | | | وكان خالد
على ميعاد بعد ذلك مع مدينة البصرة، التي تحملت معارك ضارية بين العراق وإيران،
التي احتلت بالفعل مثلث الفاو وجزيرة أم الرصاص.
مغامرات خاضها خالد في طريقه
لمدينة البصرة كان بطلتها المدافع والصواريخ والقاذفات التي نجا منها ومن معه
بأعجوبة .. وأخيرا وصل بعد هدوء الغارات إلى المستشفي ليجد الأطباء يستقبلونه، وهو
الجراح المصري المشهور، بفرح واعتزاز كبيرين ، ومن ضمنهم ثلاث طبيبات سلم على
الأولى والثانية سلاما حارا، أما الثالثة فأمسك يدها بكلتا يديه وقد استحالت سخونة
العرق المتدفق داخل حلته العسكرية إلى قطرات من الثلج في حين انهمرت دموعه كطوفان
لا يتوقف وسط دهشة الواقفين بل وذهولهم !!
كانت هي برغم تكذيبه لعينيه
ويديه. بعد عشرين عاما كان اللقاء. وفجر هذا اللقاء كل طاقات الجراح الماهر وكان في
إمكانه وصل الليل بالنهار في إنقاذ المصابين. يكفيه يد ليلى الحانية التي تمتد من
حين لآخر بمنديل ورق لتمسح العرق المتصبب على جبينه!.
20 عاما من الفراق
روت ليلى له ما حدث لها خلال 20
عاما من انقطاع أخبارها عنه .. عادت إلى بغداد وأكملت دراسة الطب وتخرجت بتفوق
وعملت معيدة في الجامعة وسافرت إلى بريطانيا للحصول على الماجستير ورشحت بعد عودتها
لبغداد لبعثة من أجل الحصول على الدكتوراه لكن الحرب لم تمكنها من ذلك ومارست
واجبها الوطني لمعالجة جرحى الحرب، الذي كان من بينهم زوجها، حيث أجرت له عملية
لاستخراج طلقتين استقرت في جسده وعدة شظايا وسهرت على راحته لكنه صاحب نظرة تقليدية
للمرأة لذا طالب بطبيب لكي يتابع حالته وليست هي!!.
سريعا ما غيرت ليلى من نظرة زوجها
للمرأة وأثبتت له الأيام أنها لا تقل عن أي طبيب كفاءة إن لم تزد عنه. وعندما أوشك
على مغادرة المستشفى للعودة إلى الجبهة مرة أخرى صرح لها بأنه يتمنى الزواج منها
ولم تتردد في قبول طلبه وخاصة أنها أعجبت برجولته وبطولته وتم الزواج بأسرع ما
يمكن. ورزقت بولدين.
استئصال الغيرة ومن أرض المعركة التي يجاهد فيها ليلى
وخالد والموت يطاردهما كل لحظة .. إلى أرض معركة أخرى تخوضها سهام مع نفسها بعد أن
كتب لها خالد يحكي لها ما حدث وأنه قابل ليلى بعد كل هذه السنوات.
وهنا بدأت سهام في مراجعة نفسها،
التي كانت السبب الرئيسي في هروب خالد من مصر إلى أتون الحرب مفضلها عن لهيب غيرتها
وشكها المميتين .. فكثيرا ما عذبته بأسئلتها واستجواباتها وتحرياتها دون أن
تستطيع كبح جماح نفسها، وأحست بأنها لم تعرف قيمة زوجها إلى بعد فقده
.
وتأكدت أيضا بعد قرأتها في علم
النفس أن الغيرة لا تعني سوى فقدان الثقة في النفس والشعور بالنقص بجانب
الإساءة للطرف الآخر بالشك به.
وعلى الجانب الآخر وفي أرض دجلة
والفرات .. تأكد خالد على وجه اليقين أن حب ليلى لم يكن حبا تقليديا ينهض على
الاشتهاء والرغبة الجسدية وإنما الحب الذي يشتعل بالروح ويتوهج
بالفكر.
كان كل منهما يسعد بقربه من الآخر
ويتحول إلى شعلة من النشاط المتقد وفي الوقت نفسه كان كل منهما بالمرصاد لنفسه كلما
شعر برغبة الرجل في المرأة أو رغبة المرأة في الرجل ، في الوقت الذي كان كل منهما
يحدث نفسه بأنه لا يجب أن يشعر بالذنب سواء تجاه الزوج الرابض على خط النار أو
الزوجة القابعة في بيتها في القاهرة.
عدنـــان
وبعد ليلة لم تنقطع فيها دوي
الانفجارات بمدينة البصرة، صدمت ليلى صدمة كبيرة بعد أن جاء زوجها عدنان من أرض
القتال إلى المستشفى مضرجا في دماءه .. وتعاون الفريق الطبي بما فيهم ليلى وخالد في
إنقاذ حياته، وأجرى له خالد عمليتين جراحيتين بل تبرع له بالدم وانتقل بصحبة ليلى
معه إلى بغداد من أجل إجراء عملية جراحية ثالثة في عموده الفقري حيث استقرت أحد
الرصاصات به.
وعاد الجميع إلى موقعه بعد تماثل
عدنان للشفاء .. وكان عدنان ضمن القادة الذين أحيطوا بالأمر الذي صدر في اجتماع
السادس عشر من نيسان 1988 برئاسة القائد الرئيس صدام حسين بتحديد يوم الهجوم إيذانا
بتحرير الفاو .. واقتحمت القوات العراقية دفاعات العدو وحطمت خطوطه الدفاعية بعد أن
دمرت قواته تدميرا كاملا ولم يفلت من أفراده إلا من ولى هاربا أو وقع في
الأسر.
انتصــار
ولم تستمر المعارك أكثر من اثني
وثلاثين ساعة، واستبسل جنود العراق وتم تحرير مدينه الفاو وعاشت البصرة أروع أيامها
بعد ثماني سنوات من الجهاد الذي لم يهدأ أواره والذي سقط في معاركه أكثر من عشرين
ألف شهيدا أغلبهم من النساء والشيوخ والأطفال.
كانت أصداء الهتافات والأهازيج
تتردد في أرجاء البصرة وتغمر أبهاء المستشفى الميداني حتى غرفة العمليات التي أنهمك
فيها خالد وليلى وباقي الأطباء لمعالجة جرحى المعركة بل إن النخوة العربية لم تتردد
في علاج المصابين والجرحى من الأسرى الإيرانيين خاصة الصبية الذين ألقوا في أتون
المعركة على وهم مفاتيح الجنة التي علقها خميني في أعناقهم .
غــــدر
بين الأسرى الإيرانيين كان هناك
صبي يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاما أصيب بغرغرينا في ساقه مما تحتم بتر ساقه واستعد
فريق العمليات لإجراء العملية لذلك الصبي الذي تطاير من عينيه الشرر وتناقلت نظراته
بين الأسلحة الطبية ذات الوميض وظهر خالد المنحني لاختبار مفاتيح جهاز قياس النبض !
وفجأة قفز ومسك بأكبرها وأحدها في محاولة مستميتة ليغمده كله في ظهر
خالد.
تلقت سهام برقية مختصرة بميعاد
وصول خالد إلى مصر، وتأخره بعد انتهاء الحرب جعل القلق ينهشها وظنت الظنون بمصير
خالد عندما وجدت بعض الطائرات تنقل بعض النعوش ودار في ذهنها أنه استشهد ولذا لم
يرسل لها جوابا مفصلا. ولم يقطع شكها سوى اليقين بقدوم خالد الذي بدا وكأنه شبح حيث
تحولت رشاقته إلى نحول رهيب وانطفأ بريق عينيه السود وتبدل حاله تبديلا. واستقبلته
زوجته بالدموع والأحضان لتتساءل ماذا حدث له؟
وداعا
ليلى
وروى لها خالد ما حدث :"أثناء
انهماكي في اختبار مفاتيح جهاز قياس النبض منحنيا عليه وظهري مواجهة لهذا الصبي
الجريح المسعور .. فجأة شعرت بليلى تحتضن ظهري وقد أحاطت صدري بذراعين من حديد ..
في محاولة خاطفة للإلقاء بي بعيدا عن هجمة المسعور الذي اختطف أكبر وأحد سلاح من
الأدوات الجراحية الجاهزة للعملية ليغمده في ظهري."
وأكمل والدموع تغرق خديه :"فدتني
وتلقت الطعنة في ظهرها لتسقط على الأرض مضرجة في دمائها الطاهرة ونفذ السلاح في
أروع وأعظم قلب كان يتدفق بالحب والعطاء لكل البشر."
"وبنفس السلاح انتحر هذا المسعور
ليسقط على الأرض وقد لفظ أنفاسه الأخيرة."
"ولم استطع استيعاب ما حدث لها
وظننت أنه كابوس سوف ينتهي ليرى ليلى ثانية تشع بالحيوية في كل مكان تحل به ولكني
فشلت وسقطت مغشيا علي." "وظللت في المستشفى أرزح تحت وطأة الصدمة أفيق
لحظات ثم أعود للذهول ساعات."
وشاركته سهام، ولأول مرة، دون
غيرة حارقة مشاعره وحزنه وخففت عنه مما أسعد خالد كثيرا بالتغيير الحادث على
زوجته. وقررا سويا زيارة زوج ليلى وولديها، الذين أوصت ليلى في أخر
لحظاتها خالد بهم، التوجه إلى العراق لزيارتهم ولزيارة قبر الشهيدة ليلى وقراءة
الفاتحة على روحها الطاهرة.
تاريخ التحديث :- توقيت جرينتش : الأحد , 3 - 8 - 2008 الساعة : 3:38 مساءً توقيت مكة المكرمة : الأحد , 3 - 8 - 2008 الساعة : 6:38 مساءً |