|
فهم
النهر/ باولو
كويلو |
|  | | باولو كويلو | | |
نشرت مؤخرا دار أجير كتابي «أن
تكون كالنهر جاريا» ـ الذي استلهمت عنوانه من قصيدة للشاعر مانويل بانديرا. وقال
فيلسوف «لا يمر النهر مرتين من المكان ذاته»، وقال آخر «الحياة مثل النهر». نحن
ندرك أن هذه الاستعارات هي المعنى الأقرب للحياة. وعليه من الجيد أن نبقي في ذهننا
التالي:
نحن نعيش دائما التجربة الأولى.
خلال عبورنا من المنبع (الولادة) إلى وجهتنا (الموت)، فإن جميع المشاهد جديدة
بالنسبة لنا. علينا أن نعيش المستجدات بسعادة بدلا من الخوف، لأنه لا جدوى من الخوف
مما لا يمكن تفاديه. فالنهر لا يتوقف عن الجريان.
في الوادي مشينا أبطأ. حينما
يصبح كل شيء محيط بنا أكثر سهولة، تكون المياه هادئة، ونصبح أوسع أفقا وأكثر
امتدادا وكرما. ضفافنا خصبة دائما. تنمو الخضار في الأماكن التي
تتواجد فيها المياه فقط، وعليه فإن كل من يتواصل معنا بحاجة لمعرفة أننا هنا لمنح
العطاشى ما يروي ظمأهم، يجب تفادي الحجارة. بالطبع المياه أقوى من حجر الغرانيت،
لكن هذا يتطلب زمنا طويلا. ما من فائدة من ترك أنفسنا محكومين بصعوبات أقوى، أو
محاولة محاربتها، ففي هذا هدر للطاقة. أفضل شيء هو معرفة مكان المخرج، والتحرك
باتجاهه. الاكتئاب يستدعي الصبر. فجأة يتحول مجرى النهر إلى ما يشبه
الحفرة ويتوقف عن التدفق بسعادة كالسابق. والطريقة الوحيدة في مثل تلك اللحظات هي
الاعتماد على مساعدة الزمن. وحينما تأتي اللحظة المناسبة، فإن الاكتئاب يفيض وتعود
المياه إلى مجاريها قدما، ويتحول التجويف القبيح المفرغ من الحياة، إلى بحيرة
يستطيع الآخرون النظر إليها بسعادة. نحن متفردون. ولدنا في المكان
المحدد لنا والذي سيزودنا دائما بما يكفي من المياه، كي نمتلك ما نحتاجه من صبر
وقدرة على التحرك في حال واجهنا الاكتئاب. نبدأ دورتنا بلطف وبطريقة هشة يمكن
خلالها حتى لورقة شجر أن توقف تقدمنا. لكن احترامنا للمنبع الغامض الذي أوجنا
وثقتنا بحكمته الأزلية، فإننا نكتسب رويدا رويدا كل ما نحتاجه خلال مسارنا.
على الرغم من أننا متفردين سنكون قريبا أكثرية. تنضم إلينا خلال
سفرنا مصادر مياه أخرى، لأنه المسار الأفضل الذي يمكن اتباعه. وبذا لم نعد وحدنا بل
مجموعة، وهنا تأتينا لحظة نشعر خلالها بالضياع. وكما ورد في الإنجيل، «جميع الأنهر
تجري باتجاه البحر». من المستحيل أن نبقى في عزلتنا، مهما بدا الأمر
رومانسيا. حينما نقبل بالتواصل المقدر مع المنابع الأخرى، ينتهي بنا الأمر في فهمنا
أن هذا الأمر جعلنا أقوى وأكثر قدرة على تجاوز المعوقات أو على ملء الاكتئاب بطريقة
أسرع وأسهل. نحن وسيلة نقل. من أوراق الشجر والقوارب والأفكار نأمل
أن تكون مياهنا سخية دائمة، ونأمل أن نحمل قدما كل الأشياء أو الأشخاص الذين بحاجة
لمساعدتنا.
نحن مصدر إلهام.. وهكذا لنترك
الكلمات الأخيرة للشاعر البرازيلي مانويل بانديرا:
«كن كالنهر الجاري
صامتا في قلب الليل
لا يخشى عتمة الليل
مرآة لأية نجمة في السماء
وإن امتلأت السماء بالغيوم
فإن الغيوم هي الماء كالنهر،
لذا كن مرآة لكليهما بلا ندم
في أعماق
الصمت» ** منشور بصحيفة "البيان" الإماراتية 31 أكتوبر
2009
تاريخ التحديث :- توقيت جرينتش : السبت , 7 - 11 - 2009 الساعة : 1:28 مساءً توقيت مكة المكرمة : السبت , 7 - 11 - 2009 الساعة : 4:28 مساءً |