|
تكريس التشويه صور العرب بعدسات هوليوود
*رانية عقلة
حداده
ناقدة ومخرجة سينمائية
أردنية
"جئت من مكان بعيد ، يقع في ارض
بعيدة ، حيث تتجول قوافل الجمال ، وقد يقطعون إذنك إذا لم يعجبهم شكلك ، انه مكان
همجي.. ولكنه الوطن".
هذا ما تقوله الأغنية على لسان
علاء الدين الشخصية الرئيسية في فيلم الكرتون الأمريكي الذي يحمل اسمه ، ولهذه
الكلمات أن تعطينا فكرة واضحة وخطيرة عن الصورة التي تقدم فيها هوليوود العرب
للعالم ، ولكن الأمر لا يقف عند حدود هذا الفيلم المنتج عام 1992 والمخصص للأطفال ،
إنما يتعداه ليشمل اغلب أفلام شريحة البحث التي درسها جاك شاهين - الأستاذ الفخري
في جامعة جنوب الينوي - والتي قاربت الألف فيلم ، وتراوحت ما بين تلك المنتجة في
أولى أيام هوليوود ، إلى أفلام اليوم التي حققت أعلى الإيرادات ، وخلص في بحثه إلى
نتيجة مهمة وهي "ان العـرب هم أكثر الناس تعرضا للافتراء في عالم هوليـوود إذ يتم
تصويرهم في الأساس دون البشـر.. وقرابـة %25 من أفلام هوليوود تهين العرب بطريقة أو
بأخرى" ، فجاء عنوان الكتاب انعكاسا أمينا لخلاصته ، حيث حمل عنوانا رئيسيا "عرب
سيئون للغاية" ، وفرعيا "كيف تذم هوليوود الناس" ، وهذا الكتاب تم تقديمه لاحقا على
شكل فيلم وثائقي ، يعرض جاك شاهين من خلاله الأفكار الرئيسية التي جاءت في الكتاب ،
ويعلق على مشاهد الأفلام موضع البحث.
ملامح صورة
العرب
بما أن السينما الهوليوودية هي
الأكثر انتشارا ومشاهدة في العالم ، فإنها حتما السينما الأكثر تأثيرا في الناس ،
والأكثر قدرة على تكريس أي صور نمطية تخلقها ، فكيف كانت صورة العربي في تلك
السينما لأكثر من مئة عام؟ بمعنى آخر: ما هي الصورة التي رسختها في أذهان المشاهدين
عن العرب؟ وهل اختلف شيء على تلك الصورة مع مرور الوقت؟ وإذا تغيرت تلك الصورة فوفق
أي معطيات؟.
".. في بلاد العرب لديك الموسيقى
المشؤومة ، ولديك الصحراء ، نبدأ دائما بالصحراء كونها مكان ذي تهديد ، نضيف واحة ،
وأشجار نخيل ، وقصر ذا حجرة تعذيب في القبو ، ويجلس الباشا على مقاعده الوثيرة ،
والجواري تحيط به ، وبما أن كل الجواري لا تفلح بإرضائه ، يقوم بخطف البطة الشقراء
من الغرب ، والتي ترفض الإغراء" ، هكذا يكثف جاك شاهين الصورة التي تقدم فيها
هوليوود العرب ، مكانا وناسا ، لتبدو كأنها تنتمي إلى عوالم حكايات ألف ليلة وليلة
، حيث الناس يتجولون على بسط سحرية ، وهناك ملاعبو ثعابين يرتدون العمائم ويقومون
بتمرين الثعابين على الدخول والخروج من السلال ، وهناك رجال يحملون بسذاجة سيوف
طويلة معقوفة ، ونساء أما جواري أو راقصات شرقيات بملابس شفافة ، أما إذا أرادوا أن
يقدموا صورة أفضل ، فإنها ستكون على نحو يبدو معها العرب كمهرجين ، الغرض منهم
إطلاق نكات سخيفة ، أو أناس ليسوا خطرين وحسب وإنما عديمي الكفاءة أيضا ، وغالبا
هناك تواجد لشخصية الشيخ العربي الثري ، والفاسد ، الغبي الذي لا يُقدر قيمة المال
، ذو الشهوة العارمة ، شديد الهوس بالمرأة الأمريكية ، حتى الأفلام التي لا علاقة
لها بالشرق الأوسط يتم إقحام العرب السيئين فيها ، وذاكرة هوليوود تزخر بالكثير من
الأمثلة التي سنجد في كل منها على الأقل واحدة من هذه الصور ، فعلى سبيل المثال لا
الحصر: فيلم "دعوة إلى الرقص" 1956 ، "سامون ضد الشيخ" 1962 ، "علي بابا.. كلب
الصحراء المجنون" ، فيلم جيمس بوند "لا تقل أبدا ثانية بعد الآن" 1983 ، "جوهرة
النيل" عام 1985 ، "العودة إلى المستقبل" 1985 ، "أكاذيب حقيقية" عام
,1994
يتحرى جاك شاهين منبع صورة العرب
هذه ، فيصل إلى المستشرقين الأوروبيين الذين عندما زاروا الشرق قبل أكثر من مائتي
سنة ، واطلعوا على حضاراته وثقافاته وتراثه المعرفي والأدبي المتنوع ، عادوا
بكتاباتهم ولوحاتهم التي لم تسجل الشرق كما هو ، إنما كما أردوا أن ينظروا إليه ،
فكان الشرق بالنسبة لهم الجواري والراقصات والغرام والرجال الباحثين عن ملذاتهم ،
وكان أيضا التخلف والجهل والعنف ، ومن هنا تأثر المستشرقون الأمريكيون بهذه
التصورات التي نقلها نظراؤهم الأوروبيون بكل ما تتسم به من استعلاء وتفوق على
الحضارة والثقافة العربية والإسلامية وتجاهل لأدوارها التاريخية ، وبما يخدم
أهدافهم الاستعمارية ، لذا كان لا بد من توظيف السينما في هوليوود لخدمة هذه
الغايات ، عبر تكريس صورة دونية وسيئة للعرب ، وتنميطها بجعلها الصورة الوحيدة التي
تنسحب على جميع العرب.
واشنطن
وهوليوود تشتركان في الجينات نفسها
إذا كان التأثر بالمستشرقين
الأوروبيين في البداية لعب دورا كبيرا في رسم ملامح صورة سيئة للعرب في السينما
الهوليوودية ، فان ثمة أحداثا لاحقة كانت المسؤولة عن تغير ملامح هذه الصورة ، أو
بالأحرى استدعت المزيد من التشويه لصورة العرب والمسلمين ، ويحدد جاك شاهين هذه
الأحداث: أولا: الصراع العربي الإسرائيلي ، ثانيا: الحصار العربي على النفط في
السبعينات ، الذي اغضب الأمريكيين عندما ارتفعت أسعار النفط بشكل لم يسبق له مثيل ،
ثالثا: الثورة الإيرانية التي أدت إلى زيادة حدة التوتر العربي - الأمريكي عندما
قام طلبة إيرانيون باحتجاز دبلوماسيين أمريكيين كرهائن لأكثر من سنة ، هذه الأحداث
شكلت تهديدا للمصالح الأمريكية في المنطقة ، وبما إن السياسة الأمريكية لم تعمل
يوما بمعزل عن السينما ، التي كانت دائما حليفها القوي القادر على التأثير في الناس
بشكل كبير وسريع ، فكان لا بد من محاربة كل ما من شأنه أن يهدد تلك المصالح من
خلالها ، لذلك لا نستغرب ما صرح به فالنتي - رئيس جمعية الصور المتحركة الأمريكية -
بأن "واشنطن وهوليوود تشتركان بنفس الجينات" ، وهذه دلالة صريحة كما يقول شاهين على
أن السياسة وصور هوليوود أمران مترابطان ويعزز احدهما الآخر ، فالسياسة تعزز الصور
الملفقة والتي بدورها تعزز السياسة ، لذلك بعد هذه الأحداث بدأت صورة العالم العربي
والعرب والمسلمين القادمة من عالم ألف ليلة وليلة بالتغير في هوليوود ، فصورة
المرأة العربية والمسلمة بدأت بالتحول من صورة نمطية كراقصة وجارية إلى صورة نمطية
أخرى كمحجبة ، وخاضعة للرجل ، وقابعة في الظل ، وكذلك صورة الرجل العربي والمسلم
أصبحت أكثر دموية ، وأصبح مستعدا لارتكاب شتى أنواع الإرهاب ، والتعذيب ، والقتل ،
والتنكيل ، وأما الشيخ فأصبح بصورة ذلك الرجل الجشع ، الذي يحاول السيطرة على
العالم بماله ، وشراء أراض واسعة من أمريكا ، ويستشهد جاك شاهين بفيلم "الشبكة" ـ
1976 ، كأحد الأمثلة للافتراءات على العرب في سبعينيات القرن الماضي ، والادعاء
بأنهم قادمون لشراء أراض واسعة في أمريكا ، وهي ذات فترة الحصار العربي للنفط ، حيث
في الفيلم يدعو مذيع إحدى محطات التلفاز التجارية ، الشعب الأمريكي للوقوف ضد عملية
شراء العرب لحصص في شبكته التلفزيونية ، ويوجه تعليقات عنيفة وغاضبة ضد العرب
يستجيب لها مشاهدي المحطة ، ويشبه جاك شاهين هذه الحملات الغاضبة والكارهة
والمعادية للعرب ، بالحملات الدعائية المعادية للسامية التي أطلقها
النازيون.
ولان نجاح إسرائيل في مساعيها
الاستعمارية على ارض فلسطين ، يعني حماية المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط
، فكان لابد أن تمنح السياسة الأمريكية الدعم الكامل للإسرائيليين ، وذلك بالانحياز
التام لصورة الإسرائيلي كضحية للعنف الفلسطيني في سينما هوليوود ، في المقابل
افتراء بلا حدود يُظهر صورة العرب والفلسطينيين كأشرار وإرهابيين أشبه بالنازيين ،
يخطفون يهددون ويقتلون الإسرائيليين بدم بارد دون أي رحمة أو مبرر ، وهي صورة غير
عادلة على الإطلاق للصراع العربي الإسرائيلي ، حجبت حقيقة العربي الفلسطيني كضحية
وكصاحب حق في الدفاع عن حياته وأرضه التي سلبت منه وشرد منها ، وحجبت حقيقته كانسان
كابد الكثير من المجازر التي ارتكبها الإسرائيليون بحقه ، الأمر الذي يمكن تقصيه في
عدد من الأفلام على غرار: "الترحيل الجماعي" ـ 1960 ، فيلم "الق ظلا عميقا" ـ 1966
، أما في أفلام على غرار: "الموت قبل العار" ـ 1987 ، أصبح العنف العربي والفلسطيني
موجه نحو الأمريكان ويمثل تهديدا على حياتهم ، ولم يقتصر الافتراء على صورة الرجل
العربي ، إنما امتد ليشمل صورة المرأة العربية لتصبح كما في فيلم "الأحد الأسود" ـ
1977 ، انتحارية وإرهابية.
العلاقة الثنائية التي تجمع
السياسة الأمريكية وصور هوليوود ، يمكن رصد أوضح تجلياتها في عدد كبير من الأفلام
كـ: "النسر الحديدي" ـ 1986 ، "الموت قبل العار" ـ 1987 ، "جنود البحرية" ـ 1990 ،
"أكاذيب حقيقية" ـ 1994 ، "قرار تنفيذي" ـ 1996 ، "قواعد الاشتباك" ـ 2000 ، "سقوط
البلاك هوك" 2001ـ ، وهي أفلام ساهمت وزارة الدفاع الأمريكية في إنتاجها ، ويعتبر
فيلم "قواعد الاشتباك" اشد هذه الأفلام عنصرية ، تم إنتاجه قبل أحداث 11 أيلول وقبل
الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق ، قام وزير بحرية سابق بكتابة السيناريو
له.
من ناحية أخرى لا يغفل جاك شاهين
الدور الكبير الذي يلعبه اللوبي الصهيوني في التحكم بقطاع الإنتاج في هوليوود ، وفي
هذا السياق يذكر تجربة المنتجَين الإسرائيليين: ميناحيم غولان ، ويورام غلوبس ، حيث
أسسا شركة إنتاج سينمائية أمريكية تدعى (Cannon) ، وأنتجا ما لا يقل عن ثلاثين
فيلما على مدى عشرين عاما تهين كل ما هو عربي وخصوصا الفلسطينيين ، ويعتبر فيلم
"قوة الدلتا" ـ 1986 ، أكثر أفلامهم عنصرية حيث فيه يقوم الفلسطينيون بخطف طائرة
وإرهاب ركابها لاسيما اليهود منهم.
على الضفة الأخرى في هوليوود ،
هناك عدد ضئيل من الأفلام التي تنصف العرب ، فبين ما يقرب الألف فيلم - هي شريحة
البحث التي تناولها شاهين - هناك فقط اثنا عشر فيلما تقدم العرب بصورة ايجابية ،
وخمسون تقدمهم بصورة متوازنة ، بكافة تعقيداتهم ، بعيدا عن التنميط ، كـ :"روبن
هود: أمير اللصوص" 1991ـ ، "ثلاثة ملوك" 1999ـ ، "المحارب الثالث عشر" ـ 1999 ،
"سريانا" ـ 2005 ، "مملكة السماء" ـ 2005 ، لكن ما الذي تستطيع هذه النسبة الضئيلة
جدا من الأفلام فعله ، إزاء معالم صورة سيئة ودونية وغير إنسانية للعرب شكلتها مئات
الأفلام على مدار قرن من الزمان؟.
هل ثمة أمل يلوح في
الأفق؟
في ظل غياب الإنتاج الحكومي ،
وفشل اغلب الإنتاج الخاص العربي في أن يرقى لمستوى العالمية على الرغم من توفر رأس
المال ، وفي ظل اتساع رقعة الإنتاج المشترك العربي الأوروبي ، الذي في اغلبه يحمل
أجندات خاصة ، وفي ظل وجود بعض الكيانات السينمائية الكبرى ، والتي قرر بعضها
استثمار ملايين الدولارات في إنتاج أفلام هوليوودية ، مع غياب كامل لصورة العرب عن
أجندتها ، كما في شركة (imagenation) المنبثقة عن مهرجان الشرق الأوسط السينمائي في
ابو ظبي ، في ظل كل هذا لا يبقى إلا القليل من أفلام السينما العربية التي يمكن
للمرء أن يثق بقدرتها على حمل المسؤولية.
** منشور بصحيفة "الدستور"
الأردنية 6 نوفمبر 2009
تاريخ التحديث :- توقيت جرينتش : السبت , 7 - 11 - 2009 الساعة : 12:39 صباحاً توقيت مكة المكرمة : السبت , 7 - 11 - 2009 الساعة : 3:39 مساءً |