الصفحة الرئيسيةثقافةالمحتوى

هل يمكن إنتاج تفسير علمي للأدب؟
 
د.الطيب بوعزة 

 

خلال المناخ العلموي الذي ساد الثقافة الأوروبية في القرن التاسع عشر أصبح التفكير في الظواهر الإنسانية محكوما بمنطق منهجي يلح على ضرورة الانتقال بمنهج التفكير والمقاربة إلى مستوى المنهج العلمي، وقد فُهم مدلول العلمية وقتئذ على نحو جد قاصر، حيث نُظر إلى النموذج العلمي السائد في حقل علوم الطبيعة بوصفه المثال المختزل لخصائص النظرة العلمية.

على هذا الأساس نجد أوجست كونت يتجه إلى صياغة مشروعه المعرفي الهادف إلى نقل منهج الملاحظة والتجريب من حقل الفيزياء إلى الحقل الإنساني، فأسس السوسيولوجيا لدراسة الظواهر الاجتماعية بناء على اعتقاده بأن التأسيس المنهجي للمعرفة الحقة لا يكون إلا وفق النماذج الميتودولوجية المنتهجة في العلوم الطبيعية، خاصة الفيزياء.

وفي هذا السياق التاريخي ستظهر في حقل الدرس الأدبي رؤى نقدية تمتثل لنفس الهاجس العام المهيمن على ثقافة ق19، إذ ضد النزعة التأملية والانطباعية ستظهر مواقف نقدية تدعو إلى مقاربة الظاهرة الفنية/ الأدبية بمنظور «علمي»، أي منظور يستهدف تفسير النص الأدبي من خلال اكتشاف العلاقة الناظمة بين هذا النص وأسباب انبثاقه، وغالبا ما تم تصنيف هذه الأسباب إلى عوامل سيكولوجية أو اجتماعية، ومن بين المشروعات النقدية التي كان لها صيت وذيوع، مشروع الناقد الأدبي الفرنسي «هيبوليت تين» الذي نظر إلى العمل الأدبي بوصفه نتاج تفاعل ثلاثة أبعاد سيكولوجية «العرق»، وسوسيولوجية «الوسط/المكان»، وتاريخية «الزمن»، وانطلاقاً من هذا التصور يبلور تين نظرية نقدية تنهض على ثلاثية العرق والوسط واللحظة التاريخية، حيث كانت هذه الثلاثية المفاهيمية هي المدخل المنهجي الذي يستحضره عند دراسته للنتاج الأدبي والفني، فتفسير العمل الأدبي لن يكون تفسيرا علميا إلا بدراسته من حيث علاقته بهذه المحددات الثلاثة الشارطة له، ونقصد بالعلاقة الشارطة هنا أن الارتباط بين هذه المحددات والنص الأدبي هي -حسب «تين»- علاقة ارتباط سببي تشبه العلاقات العلية الناظمة بين ظواهر الطبيعة.


لا ريب أن هذه الرؤية المنهجية التي بلورها «تين» تسمح بتصنيفه ضمن النزعة الطبيعية الوضعية، نقول بهذا رغم إدراكنا للنقد الشديد الذي قدمه تين ضد الفلسفة الوضعية الكونتية، فهذا النقد لا يعني أنه خرق الأصول العامة لهذه النزعة وانتظم في سياق نقيضها الفلسفي أي التيار الروحي، بل نجد هيبوليت تين في كتابه «الفلاسفة الفرنسيون في ق19» يقدم نقدا مزدوجا للتيارين السائدين (الوضعي في نموذجه الكونتي، وكذا الروحي الذي كان مهيمنا على المؤسسة التعليمية الجامعية).

صحيح أن المرتكزات الفلسفية التي يعتمد عليها تين في نظرته إلى الفلسفة وتاريخها كانت متنوعة، حيث نجده متأثرا بسبينوزا وهيجل، لكن لا يجب أن نظن أن هذا التأثر سيجعله فيلسوفاً روحانيا مثالياً، بل ثمة تأثير أكبر في فلسفته من جهة الفيلسوف الفرنسي كوندياك المتمذهب ضمن التيار الحسي، وهو التيار الذي كان له تأثير كبير على الرؤية المعرفية لتين، ففي كتابه «عن الذكاء» نجده يقدم تفسيراً للملكات العقلية وفق منظور حسي ترابطي.

ثم إن الخلاف بينه وبين كونت لم يكن في المحددات النظرية العلموية الكبرى، إنما مكمن الاختلاف يتحدد في موقف الرجلين من الإشكال الميتافيزيقي، فبينما اتجه أوجست كونت إلى المناداة بتجاوز الميتافيزيقا وفق قانونه الشهير القائل بصيرورة التاريخ البشري وفق مرحلية الحالات الثلاث، رأى تين أن الميتافيزيقا إشكال فلسفي أساس لا مجال لتخطيه أو تجاوزه.

هذا من حيث موقع هيبوليت تين في شبكة المذاهب والتوجهات الفلسفية التي كانت سائدة في زمنه، أما من حيث نظرته إلى النص الأدبي، فهو لا يقاربه بوصفه كينونة مستقلة، بل هو عنده مرآة تعكس زمنها؛ لذا فالهدف الذي كان تين يهتم به ليس إبراز خصوصية النص إنما إبراز علاقته بشرط سوسيولوجي عام، ولهذا يمكن أن نلمس هنا تأثيراً هيجيلياً، فإذا كانت المقاربة المنهجية التي انطلق منها هيجل في قراءته لتاريخ الفلسفة هو تفسير الفيلسوف ونتاجه في ضوء صيرورة عقل مطلق يشتغل في استقلال عن الإرادة الفردية، فكذلك الأمر عند تين، حيث درس النتاج الأدبي بوصفه إيقاعا جزئيا منضبطا لسيمفونية عامة، فالنتاج الأدبي/الفني ليس كما يظن البعض فعلا حرا لمخيلة ووجدان الفنان، بل هو خاضع لقوانين مضبوطة، تنكشف بموضعة هذا النتاج ضمن سياقه المرحلي التاريخي، فالنص هو خلاصة زمانه وعصره وتعبير عن سيكولوجية جماعة بأكملها.

ما مميزات الممارسة النقدية التي أنجزها هيبوليت تين؟

في سياق إبراز ائتلاف واختلاف تين مع غيره من الفلاسفة والنقاد، لابد من التأكيد هنا على تباينه مع معاصره سانت بوف، فهذا الأخير عندما يعالج نتاجا أدبيا يحرص على إبراز السمات الخاصة المميزة لكل أديب على حدة، لكن تين لا يلتفت كثيرا إلى السمات الذاتية بقدر ما يهتم بالسمات السيكولوجية العامة المحددة في إطار عرقي جماعي.
لكن المفارقة أن الناقد الذي يستهدف إنجاز مقاربة علمية تفسر النتاج الأدبي تفسيرا علميا، نراه هنا عاجزا عن تحديد صيغة منهجية علمية صريحة لكيفية استخلاص هذه الملكة الإبداعية! حيث يلجأ إلى الحدس لا إلى قواعد منهجية مضبوطة من أجل استخلاصها وتحديدها، حيث يقول إن اكتشاف هذه الملكة يتم خلال صيرورة قراءتنا واشتغالنا النقدي، فخلال هذا الاشتغال على مؤلفات ونتاجات الأديب يقول تين: تنفلت فجأة من قلم الناقد «عبارة لاإرادية» مكثفة ودالة تلخص كل عمله النقدي وتضع أمام بصره الحالة السيكولوجية الخاصة بذلك الأديب!

هكذا يتخلص تين من الصرامة والتقعيد العلمي، حيث إن التقاط الخاصية الإبداعية المميزة لفنان ما، تتم من خلال حدس ينبجس في وعي الناقد على نحو لا إرادي، ونحن لا ننكر أهمية الحدس في الاشتغال النقدي، لكن الذي نريد أن نلفت الانتباه إليه هنا هو أننا نجد في المشروع النقدي لتين مفارقة واضحة، فهذا الذي أراد للنقد الأدبي أن يتحرر من الذاتية ويرتقي إلى امتثال المنهج العلمي، وتقعيد قواعد الممارسة النقدية الأدبية، وضبط مفاهيمها وأدواتها الإجرائية، يعجز عن تقعيد منهجية كفيلة باستخلاص أهم مقصد للعملية النقدية بأكملها، حيث يرهن استخلاص الملكة الإبداعية الأساسية للأديب لحدس انطباعي ذاتي ينبثق في وعي الناقد على نحو غير إرادي.

وهنا أتساءل: أليست هذه المفارقة دالة بحد ذاتها على مأزق الممارسة النقدية الأدبية التي تتنطع لتجعل من النموذج المعرفي العلمي المتبلور في حقل علوم الطبيعة نموذجا للاحتذاء والتقليد؟

 ** منشور بصحيفة "العرب" القطرية 3 نوفمبر 2009


تاريخ التحديث :-
توقيت جرينتش :       الثلاثاء , 3 - 11 - 2009 الساعة : 1:34 مساءً
توقيت مكة المكرمة :  الثلاثاء , 3 - 11 - 2009 الساعة : 4:34 مساءً
 التعليقــات : 0 تعليق

 
  أضف تعليقك على الموضوع :
المشاركات المنشورة لا تعبر عن رأى "محيط" وانما تعبر عن رأى الأعضاء المشاركين فيها
 *الاسم 
*عنوان التعليق 
*نص التعليق 
العلامة (*) تعنى ان الحقل مطلوب
         

النشرة الإخبارية

العالم من الداخل
أبواب محيط
أخبار
اقتصاد
رياضة
مرأة
سيارات
دين
ثقافة
فن
كمبيوتر واتصالات
علوم وتكنولوجيا
عالم الكتاب
سياحة
حوادث
خدمات محيط
فرصة عمل
البورصات
مناقصات
دليل الفضائيات
اسعار العملات
مواقيت الصلاة
طقس اليوم
مشاركات القراء
العالم بين يديك
أبواب متميزة

منتديات محيط جديد
حصاد اليوم
ملفات
حوارات
استراحة
أوتار القلوب
كعب عالى
شيف محيط
شخصيات لا تنسى
شعر وشعراء
العالم بين يديك


من نحن | إعلن معنا | إتصل بنا | شروط الخدمة | حقوق النشر
 

POWERED BY ARABIAINFORM.COM
حقوق النشر والطبع © 2002 لأرابيا انفورم احدى شركات المجموعة المتحدة للبرمجيات. جميع الحقوق محفوظة
Copyright © 2002 ArabiaInform . ( Almotahida group ). All rights reserved