على هذا الأساس نجد أوجست كونت يتجه إلى صياغة مشروعه
المعرفي الهادف إلى نقل منهج الملاحظة والتجريب من حقل الفيزياء إلى الحقل
الإنساني، فأسس السوسيولوجيا لدراسة الظواهر الاجتماعية بناء على اعتقاده بأن
التأسيس المنهجي للمعرفة الحقة لا يكون إلا وفق النماذج الميتودولوجية المنتهجة في
العلوم الطبيعية، خاصة الفيزياء.
وفي هذا السياق التاريخي ستظهر في حقل الدرس الأدبي رؤى
نقدية تمتثل لنفس الهاجس العام المهيمن على ثقافة ق19، إذ ضد النزعة التأملية
والانطباعية ستظهر مواقف نقدية تدعو إلى مقاربة الظاهرة الفنية/ الأدبية بمنظور
«علمي»، أي منظور يستهدف تفسير النص الأدبي من خلال اكتشاف العلاقة الناظمة بين هذا
النص وأسباب انبثاقه، وغالبا ما تم تصنيف هذه الأسباب إلى عوامل سيكولوجية أو
اجتماعية، ومن بين المشروعات النقدية التي كان لها صيت وذيوع، مشروع الناقد الأدبي
الفرنسي «هيبوليت تين» الذي نظر إلى العمل الأدبي بوصفه نتاج تفاعل ثلاثة أبعاد
سيكولوجية «العرق»، وسوسيولوجية «الوسط/المكان»، وتاريخية «الزمن»، وانطلاقاً من
هذا التصور يبلور تين نظرية نقدية تنهض على ثلاثية العرق والوسط واللحظة التاريخية،
حيث كانت هذه الثلاثية المفاهيمية هي المدخل المنهجي الذي يستحضره عند دراسته
للنتاج الأدبي والفني، فتفسير العمل الأدبي لن يكون تفسيرا علميا إلا بدراسته من
حيث علاقته بهذه المحددات الثلاثة الشارطة له، ونقصد بالعلاقة الشارطة هنا أن
الارتباط بين هذه المحددات والنص الأدبي هي -حسب «تين»- علاقة ارتباط سببي تشبه
العلاقات العلية الناظمة بين ظواهر الطبيعة.
لا ريب أن هذه الرؤية المنهجية التي بلورها «تين» تسمح
بتصنيفه ضمن النزعة الطبيعية الوضعية، نقول بهذا رغم إدراكنا للنقد الشديد الذي
قدمه تين ضد الفلسفة الوضعية الكونتية، فهذا النقد لا يعني أنه خرق الأصول العامة
لهذه النزعة وانتظم في سياق نقيضها الفلسفي أي التيار الروحي، بل نجد هيبوليت تين
في كتابه «الفلاسفة الفرنسيون في ق19» يقدم نقدا مزدوجا للتيارين السائدين (الوضعي
في نموذجه الكونتي، وكذا الروحي الذي كان مهيمنا على المؤسسة التعليمية
الجامعية).
صحيح أن المرتكزات الفلسفية التي يعتمد عليها تين في نظرته
إلى الفلسفة وتاريخها كانت متنوعة، حيث نجده متأثرا بسبينوزا وهيجل، لكن لا يجب أن
نظن أن هذا التأثر سيجعله فيلسوفاً روحانيا مثالياً، بل ثمة تأثير أكبر في فلسفته
من جهة الفيلسوف الفرنسي كوندياك المتمذهب ضمن التيار الحسي، وهو التيار الذي كان
له تأثير كبير على الرؤية المعرفية لتين، ففي كتابه «عن الذكاء» نجده يقدم تفسيراً
للملكات العقلية وفق منظور حسي ترابطي.
ثم إن الخلاف بينه وبين كونت لم يكن في المحددات النظرية
العلموية الكبرى، إنما مكمن الاختلاف يتحدد في موقف الرجلين من الإشكال
الميتافيزيقي، فبينما اتجه أوجست كونت إلى المناداة بتجاوز الميتافيزيقا وفق قانونه
الشهير القائل بصيرورة التاريخ البشري وفق مرحلية الحالات الثلاث، رأى تين أن
الميتافيزيقا إشكال فلسفي أساس لا مجال لتخطيه أو تجاوزه.
هذا من حيث موقع هيبوليت تين في شبكة المذاهب والتوجهات
الفلسفية التي كانت سائدة في زمنه، أما من حيث نظرته إلى النص الأدبي، فهو لا
يقاربه بوصفه كينونة مستقلة، بل هو عنده مرآة تعكس زمنها؛ لذا فالهدف الذي كان تين
يهتم به ليس إبراز خصوصية النص إنما إبراز علاقته بشرط سوسيولوجي عام، ولهذا يمكن
أن نلمس هنا تأثيراً هيجيلياً، فإذا كانت المقاربة المنهجية التي انطلق منها هيجل
في قراءته لتاريخ الفلسفة هو تفسير الفيلسوف ونتاجه في ضوء صيرورة عقل مطلق يشتغل
في استقلال عن الإرادة الفردية، فكذلك الأمر عند تين، حيث درس النتاج الأدبي بوصفه
إيقاعا جزئيا منضبطا لسيمفونية عامة، فالنتاج الأدبي/الفني ليس كما يظن البعض فعلا
حرا لمخيلة ووجدان الفنان، بل هو خاضع لقوانين مضبوطة، تنكشف بموضعة هذا النتاج ضمن
سياقه المرحلي التاريخي، فالنص هو خلاصة زمانه وعصره وتعبير عن سيكولوجية جماعة
بأكملها.