|
الفارس
الخفيّ لإيتالو كالفينو...
أسطورة أوروبا القرون الوسطى
عادل
نصار|
|  | | غلاف | | |
في
رواية إيتالو كالفينو «الفارس الخفي» الصادرة ترجمتها إلى العربية عن «دار حوران
للطباعة والنشر» في سورية، نعود إلى أوروبا القرون الوسطى التي يعيد الروائي
الإيطالي رسم ملامحها.
كالفينو
الذي يمتاز برواية الخيال التاريخي، والمزاج الرائع ما بين الواقع والأسطورة، عبر
لغة جميلة وسرد روائي محكم، يكتب بلغة خفية تسحر القارئ، ينسج خيالات من وهم الواقع
من الأحوال اللامرئية، فهو عدا عن تصويره مدناً لامرئية يكتب عن شخصيات خفية أو
غائبة أو وهمية، لكن تمس المرء في دواخله، وتجعل الكاتب يتأمل في أن تولد الكائنات
الكتابية من بين الحروف أو مخيلة مخترعها.
يقول
الروائي إن البطل «حابساً أنفاسه، ولج غابة جرداء. وفي أسفل شجرة سنديان، عثر على
خوذة مقلوبة ذات ريشة بألوان قوس قزح. ثم عثر بينها على درع أبيض، ثم أغطية للفخذين
والذراعين ومقابض اليدين. كان ذلك عبارة عن زي أجيلولفو العسكري الأبيض، وقد تناثرت
أشياء في كل مكان. بعض هذه الأشياء كان مرتباً بشكل هرمي منتظم، والبعض الآخر كان
مكوماً بشكل دائري في أنحاء متعددة. وبالضبط عند مقبض السيف، عثر على ورقة كتب
عليها: «اترك هذا الزي العسكري للفارس رامبالدو روسيليني» وتحت الكتابة كانت هناك
زخرفة خطية لا توحي بأي اسم، بل كانت أشبه بتوقيع خط ثم لم يأخذ أي معنى».
تنسج
الرواية خيوط المرحلة الآنفة الذكر بكثير من الدقة والاحتراف، خصوصاً عندما يتطرق
الروائي الى المسائل الخرافية، مثل ذلك البطل الخفي، الذي لا تظهر ملامح له ولا
وجود حتى لجسمه، ما عدا لباسه العسكري الحديدي الذي يرتديه عندما يقوم بمغامرات
يقطع خلالها قارات بهدف إيجاد فتاة عذراء كان أنقذها من براثن قطاع طرق حاولوا
الاعتداء عليها والمس بشرفها، وحاز بناء على ذلك رتبه العسكرية كافة، وكانت مصدر
مجده في ساحات الوغى.
يعثر
الفارس على الفتاة العذراء في أحد قصور السلاطين المسلمين آنذاك بعد أن سبيت في
إحدى غزوات أحد الأديرة حيث كانت راهبة، وضُمّت الى زوجات السلطان اللواتي يساوي
عددهن عدد أيام السنة وصودف أن هذه العذراء كانت الأخيرة بينهن، ما أعطاها وقتاً
طويلاً قبل أن يحين موعد زواجها بالسلطان، وحين جاء ذلك اليوم ظهر الفارس الخفي
وأنقذها.
تصوّر
الأحداث مخيلات وتوهمات حول بطولات الفرسان الذين يخوضون غمار الحروب ببأس شديد،
ويكون دافعهم الأول غالباً، الثأر لمقتل قريب، أو الزود عن شرف النساء والأرامل
والعذارى أو عن دينهم.
على
رغم أن أحد المعجبين ببطولات الفارس الخفي يذهب إليه للتعلم منه والعودة قائداً في
صفوف جيوش الملك، إلا أن ذلك لم يجد نفعاً. أما صاحبة أحداث الرواية فكاتبة تقيم في
الأديرة. ويكشف كالفينو عن وجهها الحقيقي في النهاية، إذ كانت تعشق الفارس وسارت
خلفه مدة طويلة محاولة إيقاعه في حبها. أما هي فكانت مطاردة من الشخص ذاته الذي ورث
ثياب الفارس الخفي وأخذ يطوف البلاد بحثاً عنها منقباً الأمكنة والساحات والأديرة
الى أن جاءها صوته في إحدى المرات، حيث كانت منزوية في صومعتها في أحد الأديرة، بعد
أن فقدت أثر الفارس الخفي، كراهبة تكتب قصتها تكفيراً عن ذنوبها وفقاً لما طلبته
منها الراهبة الأم، ولحقت ببطلها لتعود إلى خوض غمار المعارك والمشاركة في
القتال.
تفاصيل
عسكرية
يضلل
كالفينو القارئ، فالأحداث في البداية لا تشمل سوى تفاصيل عن حياة جيش الملك
العسكرية والحياة في المعسكر أو اثناء المعارك ووصف لبطولات البعض، فيما لا نقرأ
الأحداث الرئيسة إلا في الفصول الأخيرة، إضافة إلى أن الراوي هو تلك المحاربة التي
لا يُكشف عنها إلا لاحقاً.
يترك
لنا المؤلف الخيار في أن نقرأ عمله كما نشاء، ثمة من يرى الرواية رحلة في الخيال،
وثمة من يراها فلسفة للحياة أو سخرية مريرة من واقع قاس. يقول الروائي في نهاية
الأحداث: «أي دخان يخرج من خراب القصور والحدائق التي أحب؟ أي سنين من الذهب مفاجئة
تعد لي، أنت، أيها المتسلط، يا رائد الكنوز المدعورة بثمن باهظ، يا عالمي الذي
أتطلع الى امتلاكه، أيها المستقبل»... نجح كالفينو في روايته هذه في ملاعبة القارئ
وإرباكه إلى حد ما. كذلك نجح في رسم معالم ذلك الزمن البعيد وأمكنته المليئة
بالبرودة والقسوة والخوف
.
**منشور
بصحيفة "الجريدة" 2/11/2009
تاريخ التحديث :- توقيت جرينتش : الاثنين , 2 - 11 - 2009 الساعة : 1:0 مساءً توقيت مكة المكرمة : الاثنين , 2 - 11 - 2009 الساعة : 4:0 مساءً |