الصفحة الرئيسيةعالم الكتابالمحتوى

هيبا

يوسف زيدان - عزازيل
عادل خزام

يرحل هيبا، في نهاية الرواية العذبة (عزازيل) إلى حيث لا يدري أحد. مفتشاً عن مصيره الملغز في العذابات المستحيلة التي عاشها وظلت تجذبه من قناعاته الثابتة وتقوده باستمرار إلى الخطيئة ونكرانها، الرغبة وكتمانها، وإلى الحقيقة وهلوساتها. وهو الراهب الذي ظل يبحث عن ذاته الضائعة بين ركام الأفكار المتغيرة ومتضادات السياسة عندما تتداخل مع الدين.

اللافت في سيرة هذا الراهب الطبيب المريض أنه طوال فصول الرواية كان يضع الحدود الوهمية القاسية ما بين جسده وعقله وروحه. لا يعرف إلى أي منها ينحاز إلى درجة أن حياته ظلت تتقلب من عذاب إلى آخر. وعندما دخل إلى حظيرة الإيمان كان كأنه يستر الشك مجبرا ومضطرا لمجاراة تيار الفكر المحيط به قولا وفعلا. لكنه مع ذلك، في الخلوات والوحدة الصادقة صار تدريجياً يعترف ويبوح بشكوكه النابعة من يقين العقل. وكأن هذا الشك هو الحقيقة المضادة التي لا يريد أن يراها أو يصدقها أحد. ولا تريدها السلطات الروحية الجديدة التي جاءت لتهدم المعتقدات القديمة لتبني في نفس المكان معتقداتها المحدثة مع بعض الاختلافات الشكلية في الرمز والبنيان والرمز والإيقونة.

أمام هذه الفروق الشكلية في علاقة الإنسان بأصله الوجودي، انحاز هيبا إلى جسده أحيانا. إلى الرغبة الحارقة المحرمة والمطموسة تحت عباءة الراهب، فنراه يتحرر بداية من النظر إلى المرأة ثم إلى الفكرة ثم إلى الخطيئة واللذة الكاملة. هو في كل هذه التدرجات النفسية الصعبة كان يصارع في وعيه بين نقيضين كلاهما يمثل نصف الحقيقة التي يعرفها. وفي منتصف الرواية، أطلق على نفسه اسم (هيبا) وتنكر لاسمه الأول كان ينحاز إلى العلم والمعرفة العقلية التي ترمز لها شخصية (هيباتيا) التي قتلها الفكر المتعصب وتم حرق جسدها إلى أن تفحمت في إشارة واضحة إلى انسداد الرؤية التعصبية التي انتهت إلى نفي وعزل رموزها الأولى بسبب عدم تماشيها مع رغبات السيطرة والتوسع باسم الدين المسيحي الذي كان يبني في ذلك الوقت أسس دولته الجديدة.

  

الأزمة إذن كانت في عقل هيبا الذي لم يستطع أن يطمس بدهيات المنطق الرياضي وسطوته الحادة على أي أفكار غيبية مهما كانت حظوتها لدى السلطة الروحية. ومع ذلك كان هيبا يخشى من تمرد عقله الذي ينطق باسم الشيطان (عزازيل) الى درجة أننا لا نعرف هل كانت أفكار هيبا الشيطانية تصدر من وراء ستار عقله؟ أم أن الشيطان كان يتحدث باسم الحقيقة التي يجب محوها وعدم البوح بها حتى لو كانت على شكل تدوين ما حدث.

ولكن مهلا. فهيبا كان يصارع في روحه ايضا. تعرف الى ملذات الجسد في ذروة العفة، ودخل إلى حظيرة الشك من باب الإيمان، لكن روحه كانت تحمل أحلامه المستحيلة وتجذبه للهرب من كل شيء. من الأمان الوهمي والقناعة الثابتة حياة أخرى لا يعرفه فيها أحد. مع المرأة التي تغني وترقص وفي وجهها كتبت سيرة جمال الكون كله.

(عزازيل) يوسف زيدان والتي تتم ترجمتها إلى لغات عدة دفعة واحدة، قد تكون الموجة الأولى لروايات عربية قادمة تجمع في تقنياتها ما بين الحبكة التاريخية والجهد البحثي، واللعب بالرمزية المقدسة مهما كان نوعها.

 

 

 منشور بصحيفة "الاتحاد" 29/10/2009** 

تاريخ التحديث :-
توقيت جرينتش :       الأحد , 1 - 11 - 2009 الساعة : 9:52 صباحاً
توقيت مكة المكرمة :  الأحد , 1 - 11 - 2009 الساعة : 12:52 صباحاً
 التعليقــات : 0 تعليق

 
  أضف تعليقك على الموضوع :
المشاركات المنشورة لا تعبر عن رأى "محيط" وانما تعبر عن رأى الأعضاء المشاركين فيها
 *الاسم 
*عنوان التعليق 
*نص التعليق 
العلامة (*) تعنى ان الحقل مطلوب
         

النشرة الإخبارية

العالم من الداخل
أبواب محيط
أخبار
اقتصاد
رياضة
مرأة
سيارات
دين
ثقافة
فن
كمبيوتر واتصالات
علوم وتكنولوجيا
عالم الكتاب
سياحة
حوادث
خدمات محيط
فرصة عمل
البورصات
مناقصات
دليل الفضائيات
اسعار العملات
مواقيت الصلاة
طقس اليوم
مشاركات القراء
العالم بين يديك
أبواب متميزة

منتديات محيط جديد
حصاد اليوم
ملفات
حوارات
استراحة
أوتار القلوب
كعب عالى
شيف محيط
شخصيات لا تنسى
شعر وشعراء
العالم بين يديك


من نحن | إعلن معنا | إتصل بنا | شروط الخدمة | حقوق النشر
 

POWERED BY ARABIAINFORM.COM
حقوق النشر والطبع © 2002 لأرابيا انفورم احدى شركات المجموعة المتحدة للبرمجيات. جميع الحقوق محفوظة
Copyright © 2002 ArabiaInform . ( Almotahida group ). All rights reserved