الصفحة الرئيسيةعالم الكتابالمحتوى

في رواية "إشراق" .. عقل وقلب ونفس حائرة


محيط – سميرة سليمان

غلاف الرواية

"لا يشغل الحياة متى تعلمت المشي..لكنها تحفظ آثار أقدامك..لتريك حين تصل في أي طريق سرت".. هكذا يستهل الكاتب المصري محمد العدوي روايته "إشراق" التي صدرت مؤخرا عن دار الفكر العربي، ويرسم بقلمه الأدبي حياة بطلها الحائر بكل تفصيلاتها.

خرجت الرواية أشبه بمشاهد متفرقة كل منها يروي جانبا من حياة رجل يفكر في الدين، الحب، السفر، وقيم الحق والخير والجمال. أما كتابتها فظهرت بها النزعة الصوفية وشكل من الدفاع عن حركة الإخوان المسلمين ودورها في المجتمع المصري.


يحكي البطل شعوره بالله منذ الصغر فيقول: "حين كنت طفلاً، كنت أسمع تحذير أمي وأنا أحكي لها ما حدث في المدرسة: أنّ الكذابين يعاقبهم الله في النار، وأني إذا لم آكل شطائري التي تعدها لي وتخلصت منها عندما لا تعجبني، يعاقبني الله أيضا في النار.

لم أشعر في حينها بأية علاقة بين الله الذي هو ربي، والله الذي يملك النار التي يعاقب بها الذين يحكون حكايات لم تقع، لم يصنع عقلي في حينها صلة بينهما، إلا حين توفي جدي لأمي وعللوا ذلك بأنه ذهب إلى الله وأصبح في الجنة .. وحين سألت أمي من يذهب إلى النار؟ قالت إن النار إنما يذهب إليها الكفار الذين يؤذون الناس، ويأخذون ما ليس لهم ويكذبون" .

وتترسخ علاقة البطل بالله بعد مرض أمه التي كانت تتألم كثيرا ولا يجد ما يفعله لأجلها في حين سفر والده فيقول: "وجدت نفسي أتذكر أن الدعاء يهبنا ما نريد" وهكذا أصبح البطل يتعجل الصلاة والدعاء فشفيت أمه، ونجح في دراسته وشعر أن الدعاء غيره كثيرا، وترسخ إيمانه بأن يسير بطريقه إلى الله، مهما طال الطريق أو قصر فحتما سيصل إليه .

بعدها يحكي البطل: "تركت مدينتي إلى المنصورة لألتحق بالكلية، تركت كل شئ يخصني ورفضت أن أحمل أيا من أغراضي التي أحبها كتبي وأشرطتي وشهاداتي وثيابي، تركت كل شئ، ليظل لي في المكان أثر ينادي عليّ إذا ابتعدت، آثارنا هي التي تنادينا حين نبتعد، هي التي تسأل عنا، لتخبرنا أن شيئا جميلا لنا هناك، تقول: كن خليقا به، وعد سريعا لأجله" .

نساء في حياتي

نتعرف من خلال الرواية أن في حياة البطل ثلاث نساء لكل منهن ركن خاص في نفسه، جاءت البداية مع "رانيا" التي تعيش وحدها مع أبيها، بعد أن انفصلت عنه أمها وتزوجت في مدينة أخرى، كانت رانيا في نفس عمر البطل، تأتي لمنزلهم كثيرا هربا من وحدتها ومن قسوة أبيها، وكان هو يوصلها لمنزلها ويصف تلك البرودة التي كانت تسري في أوصاله حين يحدثها، حتى تغلب على نفسه واتصل الحديث العذب بينهما.

لكن رانيا سافرت! انتهى عقد أبيها وسافرت فجأة دون تحذير، وهنا شعر بمعنى الفقد لأول مرة في حياته، وكان البطل يعتاد على تكرار دعاء لله يضيف إليه كلما أراد حلما جديدا، وفي هذه المرة حينما قال "رانيا" في الدعاء لم يستجب له، فشعر وكأن هذه الكلمة لا تليق بالدعاء ولذا لم يتحقق رجاؤه!

"ميس" هي صاحبة التجربة الثانية، زميلة البطل في دراسته الجامعية أردنية فلسطينية، اتصلت صداقتها مع البطل سريعا يقول: "كان أكبر شبه جمعنا هو غربتنا عما حولنا، لا يهم أن تكتسب هوية المكان الذي أنت فيه، ليزول انتفاء الغربة عنك، تتغير الأشياء كثيرا حين يراها معنا سوانا، يتغير العالم كله حين يشاركنا أحد الوقوف على ضفته". ويصف علاقتهما: كان حضور ميس هو الحضور الهادئ، كانت البوابة التي أعود منها إلى الطفل القديم .


أما " ليلى " زميلة البطل في كليته فكانت أكثر التجارب تأثيرا بنفسه، كانت مسيحية وهو مسلم، وما كان يدري كيف يتصرف، يجوز له أن يتزوجها شرعا ولكنه يخشى من حبه لها لأنها على غير دينه !

 

سلف وإخوان

يتعرض الكاتب في روايته لنشاط الإخوان المسلمين في الجامعة، وذلك من خلال شخصية "حسين" الذي يعد أكثر الوجوه النشطة بين طلبة "التيار الإسلامي". يقول البطل: "رآني مرة أقف أراقب المظاهرة فسلم عليّ وسألني عن أحوالي وهو يعلق ذراعه بذراعي، حتى وجدت نفسي معه أسير وسط المظاهرة".

اتصلت صلتي بحسين، وحين سألته لماذا هذه المظاهرات أجاب: لئلا ينسى الناس قضيتهم، في الحديث أن "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" ووجدت نفسي أريد أن أسأله: ما الحدود التي يرسمها الدين لنا، ولا ينبغي علينا تعديلها؟ هل هناك قائمة أفعال إن التزمتها لم أخرج عن انتمائي للإسلام، وكيف تكون المحبة والانشغال – وهما عمل قلبي لا يد لنا فيه – مما يترتب عليه أمر الانتماء من عدمه؟

أجاب حسين على أسئلتي بأن أعطاني كتابا بعنوان "ماذا يعني انتمائي للإسلام؟" لفتحي يكن ووجدتني أعرف في النهاية أن الدين ينطلق من نقطة واحدة، هي النفس الإنسانية، وينتهي إلى غاية واحدة هي الله تعالى، والإسلام يخرج من أصل واحد، هو النص الإلهي، وينتهي أيضا إلى غاية واحدة، هي تحقيق مقتضى هذا النص. وعرفت منه أنه حتى معاني الخير والجمال إذا تجردت من عقيدة وإيمان، فإنهما لا يشيعان الشعور بالرضا الذي تطمئن به النفس الإنسانية.

ولكن البطل كان يشهد في مسجد الكلية مشادات بين حسين وأصدقائه وبين ركن آخر يجتمع فيه طلبة آخرون يتزعمهم طالب يسميه زملاؤه الشيخ "حازم"، بعض المشادات لأن طلبة الإخوان يجتمعون لتفسير وحفظ القرآن بالمسجد، أما طلبة السلف فبعضهم يرى في ذلك متاجرة بدين الله، يقصد بهم حسين ورفاقه.

وفي المقابل كان "حسين" دائما يقول عنهم: إنهم لا يحسنون فهم الإسلام كما ينبغي أن يكون، يحصرونه في عبادات وأخلاق، متناسين أنه نظام كامل لعلاقات الإنسان في الحياة، أن الله حين خلق الإنسان وكلفه بعبادته، كلفه معها بإعمار الأرض واستخلفه فيها، قال: ولو صح تعبير "نسخة الإسلام" التي نحملها، فهي وإن لم تكن النسخة الأصح، هي نسخة أوسع كثيرا مما يحملون.

عرف البطل من حسين أنه انتمى للإخوان بسبب أستاذ بقريته كان يؤكد دائما أن العبادة فعل جماعي لا فردي، وأن الحياة كلها جهاد كل خطوة فيها تقربنا لله، وتحدث إليه البطل ذات يوم قائلا: الصورة الظاهرة للإخوان هي عملهم السياسي، رد حسين: الحياة في الإسلام كيان واحد متصل، كيف يمكن أن تتحقق العبودية لله، حين لا تحكم شريعته الفرد والأسرة والمجتمع الواسع؟.

إلى المعتقل


يروي بطل الرواية: "في العادة تنتهي كل المظاهرات بسلام دون المساس بأحد، في ذلك اليوم كانت المسيرة أكبر من كل مرة، وحين انتهت خرج البطل مع حسين وزميلين له، انتهى الأمر سريعا في سيارة كبيرة، مرت دقائق والسيارة تمتلئ بطلبة كثيرين.

مع انقضاء الأيام الأولى بدأت الحياة تصبح أكثر انتظاما، نقلونا إلى سجن صغير، تنفتح لنا أبوابه الداخلية بعد الفجر، وتغلق عند الغروب، كان يؤمنا في صلاة الفجر رضا، كان القرآن يخرج منه صافيا نديا، أي سر جميل في القرآن، ولماذا يغيب عني حتى أكتشفه هنا في هذا الظلام؟. في السجن وعبر الدروس عرفت كيف أقرأ القرآن، كيف أفهم معاني ألفاظه وأتعامل معها، يتحول القرآن إلى نصوص ثرية مليئة بالمعاني حين تختلف نظرتنا إليه " .

ليلى .. إلى أين؟

حفل التوقيع

يناجي بطل الرواية الله أن يعينه على ما يشعر به تجاه "ليلى" الفتاة المسيحية، ويخشى أن يبتعد بسببها عن تعلقه بربه، ولكنه مقر بأن هذا الشعور "الحب" خلقه الله في نفوس عباده.

ويطلع صديقه حسين بما يدور في نفسه ويكاد يعصف بكيانه، فقال له صديقه: "الله قال إنه خلق من أنفسنا أزواجا لنسكن إليها، وحدهن اللائي خلقهن الله من نفوسنا هم من جعل الله المودة معهن جعلا، أما سوى ذلك فنحن من نحاول إيجادها فننجح أو نخفق".

يقع البطل فريسة تصارع القلب والعقل والنفس معا، مع ليلى يقول العق : لا تقترب منها، لأنها ليست على دينك، بأي دين يدين أبناؤك حين يكونون، بأي رسالة يلقون الله؟. ويقول القلب ما يدعو لتناسي الفوارق الدينية. وتقول النفس: أنت تحب الله، وتحب ليلى، وتبذلني أنا في سبيلهما، فلا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها وليس أعلى منها إلا الله.

وفي الفصل الأخير تقول له ليلى:
أحببتني فكرة وأحببتك أفكارا
أحببتني روحا وأحببتك سدرة أرواح
أحببتني إنسانا وأحببتك ملكا
أحببتني امرأة وأحببتك رجلا
 
ثم تكمل لتقنعه بمحاولة استمرار علاقتهما التي بدأ البطل يوقن في استحالتها:

قلتُ لك: نسير معا كلٌ في طريقه.
قلت لي: لا يجتمعان.
قلتُ لك: نحاول.
قلت لي: لا يمكن.

 

اقرأ أيضا:

محمد العدوي لـ"محيط": الإخوان المسلمون مظلومون في رواياتنا!


تاريخ التحديث :-
توقيت جرينتش :       الثلاثاء , 27 - 10 - 2009 الساعة : 2:38 مساءً
توقيت مكة المكرمة :  الثلاثاء , 27 - 10 - 2009 الساعة : 5:38 مساءً
 التعليقــات : 1 تعليق

 
مسلسل : 1   /   الراسل : زهير زكريا الحوراني   /   الدولة : - - - -
تاريخ التعليق : الأربعاء , 28 - 10 - 2009 الساعة : 10:24 صباحاً
أدب راقي
لقد تفاجأت بهذا النص الراقي .
الذي شدني وجعلني أستعمل عقلي في مجموعة المعاني والأفكار التي ذكرها في فصول الرواية
اكتب واستمر فنحن بحاجة الى هذا اللون الراقي من الأدب،
زهير زكريا الحوراني
دبي



  أضف تعليقك على الموضوع :
المشاركات المنشورة لا تعبر عن رأى "محيط" وانما تعبر عن رأى الأعضاء المشاركين فيها
 *الاسم 
*عنوان التعليق 
*نص التعليق 
العلامة (*) تعنى ان الحقل مطلوب
         

النشرة الإخبارية

العالم من الداخل
أبواب محيط
أخبار
اقتصاد
رياضة
مرأة
سيارات
دين
ثقافة
فن
كمبيوتر واتصالات
علوم وتكنولوجيا
عالم الكتاب
سياحة
حوادث
خدمات محيط
فرصة عمل
البورصات
مناقصات
دليل الفضائيات
اسعار العملات
مواقيت الصلاة
طقس اليوم
مشاركات القراء
العالم بين يديك
أبواب متميزة

منتديات محيط جديد
حصاد اليوم
ملفات
حوارات
استراحة
أوتار القلوب
كعب عالى
شيف محيط
شخصيات لا تنسى
شعر وشعراء
العالم بين يديك


من نحن | إعلن معنا | إتصل بنا | شروط الخدمة | حقوق النشر
 

POWERED BY ARABIAINFORM.COM
حقوق النشر والطبع © 2002 لأرابيا انفورم احدى شركات المجموعة المتحدة للبرمجيات. جميع الحقوق محفوظة
Copyright © 2002 ArabiaInform . ( Almotahida group ). All rights reserved