|
في رواية " فدوى"..
أنثى رافضة تعلن عن نفسها
|
|  | | غلاف الرواية الجديدة | | | محيط ـ شيرين صبحي
" بتّ مشروعا نسبة نجاحه ضئيلة،
لماذا أتعلق به كالطفلة هكذا..؟! هذه هي المرة الأولي التي يحدث فيها هذا، ما الذي
أيقظ بداخلي هذا الكم الهائل؟ وغير أيدلوجياتي نحو مفهوم الشجن؟! كان نوعا من
الهروب، من الليل، والشتاء، ومرتبتي المزعجة، وصياح أبي وناموس منزلنا، وجزيرة
القطن التي تقطني، هروبا إلي الأسوأ، قلبي يؤلمني، وقلمي ينزف حروفا، حين أعيد
سماعها لنفسي، أسخط علي هذا الحب الذي علمني، ألا نكتفي بأن نكون
سعداء".
إنها "فدوي" الرواية الصادرة
حديثا عن دار "شمس" للنشر، لمؤلفتها فدوي حسن، والواقعة في 143 صفحة من القطع
الصغير.
الرواية التي صمم غلافها الفنان
أمين الصيرفي، تمثل سيرة ذاتية ترويها المؤلفة بشكل درامي فلسفي بداية من حياتها
بإحدي قري محافظة الشرقية وإلتحاقها بكلية الآداب قسم الفلسفة، وزواجها من "محمد"
وانتقالها للعيش في القاهرة والتحديات التي تواجهها بعد رحيل
زوجها.
رواسب
الطفولة
نتعرف من الرواية علي البيئة
التي نشأت فيها البطلة وكيف وصلت لقناعاتها وتمردها علي ذلك الواقع المعاش والمسكوت
عنه.
"أمي كانت كتلة من التلقائية/
تبتدع دراما حزينة بجلوسها علي ماكينة الخياطة/ كانت من الممكن أن تتناول قضاياها
بشىء من البساطة/ صنعها تراث شعبي غبي../ لو كانت تعرف طرقا أخري للصعود؛ / لوجدت
مبررات قوية لضعفها. لا أتذكر من حواري معها سوي التحريض الدائم علي الانتفاضة،
تشعلني بالثورة، لتشعر هي بلذة التمرد الذي حرمت منه للأبد".
تحلم البطلة بالحب مثل كل
الفتيات "ربما لو لم أعتنق الحب، لكنت أقل فشلا، ومع ذلك..، أتعامل مع متعلقات
الأمل بنجاح. شيئا... فشيئا، سأجد ما فقدته طيلة عمري"، لكنها تحلم بشخص مختلف
ينقذها من المجتمع الذكوري والظلم الذي تعانيه الفتيات خاصة في البيئة
الريفية.
"بقليل من الصبر، سأجد من يشبهني
في الدنيا الذكورية، سيأتي مرتديا "بدلته" وينظر بعيني، يكتشف ظلمهم لي، ينحاز
لموقفي، ويتبني فلسفتي، لابد وأن يأتي..."
أضواء
المدينة
وبرغم قصص الحب التي تناوبتها
البطلة إلا أنها في النهاية تتزوج "محمد" في أحد مواسم الحصاد، وتنتقل لمرحلة أخري
في حياتها بتركها للقرية ودخولها عالم المدينة.
"سأدخل هذه المدينة وكلي معبئة
بأفكار التحول والصعود، والبحث عن جوانب النقاء، سأحلم من جديد بإعادة تغيير
الواقع وأسكن فوق المستحيل، كل النظم محاولات تقريبية لتحقيق السعادة، غلا
نظم بلدتنا، هل سأجد السعادة هنا؟! ".
نتعرف علي شخصية "محمد" الدائم
الانشغال بالثقافة والفلسفة والعلوم السياسية، والذي يعلمها كثير من النظريات ويسهر
كل ليلة يقص عليها "قصة الحضارة" لديورانت.
"يقص لي حكاية من نهايتها، ليري
وقع الدهشة في لهفتي، لكنه كان يريد أن يري حيرتي. - أعدك لأن تكوني شاعرة -
شاعرة باغتيالك لي".
"سألني: - ماذا لو امتلكت
نقودا لا عدد لها؟ قلت: - سأجمع بائعات الجرجير، وماسحي الأحذية، وبائعي
العرقسوس، ومعدمي الإصلاح الزراعي، وكل فواعلي وأرزقي وأجير، وأصنع لكل دنيا جديدة
تليق بكون كل إنسان. وأنت ماذا تفعل..؟
قال: - سأجمع كل هؤلاء وأصنع
بهم ثورة، سنسميها ثورة الجياع نطالب فيها بإعادة توزيع الثروات بالعدل وأسقط
الأقنعة جميعها، وأبني لك قصرا.."
يرحل "محمد" لنعيش معها ألم
الفقد برحيله، ثم تصدمنا بكلمات تعد تجرؤا علي الذات الألهية في إطار صدمة الرحيل،
ونري لاحقا كيف تواجه "فدوي" المجتمع كأرملة وأم لأبنتين.
"من سيشملني.. وأنت
صدري؟! وماذا سأفعل أمام تلك النظريات التي بثتها بي؟ دون أن أدري؟! كيف
سأكون.. والعالم يتربص بي، ومأزق البقاء يضطهدني"
"دخلت عقدي الثالث بهدوء
شديد؛ فكان لزاما عليّ أن أضع نظارة حول عيني، وارتدي لون الأربعينات، وأبذر
العطاء؛ كي يروا فيّ أفعال الزمان، وإلا أكون مازلت تلك الشمطاء يهواها
الرجال، وتغير منها النساء، فلا تدخلني صديقة منزلها، ولا تطلعني جارتي
بغرامها مع زوجها، كل هذا لأني... صرت أرملة"
دائما متمردة
تظهر "فدوي" علي طول الرواية
بصورة "الأنثي الرافضة" أو المتمردة والتي تورطها أحلامها المثالية زمنا
كبيرا.
"المجتمع يمنح بسخاء من
يطيع والرجال يحاربون بضمير الأنثي الرافضة جميعهم صاروا أعدائي كل
القوانين العربية من صنع رجال رفضتهم نساؤهم في هذا المأزق منذ عام فقط كأنه
دهرا عدت أحفر مجاري لتجاعيد وجهي".
"لو هناك احتلال لقاومناه، لصارت
لنا قضية. ما أصعب أن نحارب مفاهيم تستخدم لعمل ترسانة معتقدات، لا تخدم فقط.. إلا
السلطة".
النهاية
"لم تعد من آثار الطفولة سوي
الأماكن، تغتصبني الذكريات مرة أخري، تستدرجني لتوتة الشيخ "حامد" يسبقني ظلي بفرحة
شديدة لهناك حيث لا وجود لقوانين الجاذبية الأرضية. - أين
توتي؟ - ماتت توتي - خانوها هي أيضا صارت طابية الرجل الثورجي
مزارا سياحيا، تبدلت الأشياء كلها للأسوأ، قوانينا العفوية صارت "عنوة"؛ البقاء صار
للأصلح هنا أيضا، لا مكان لمن لا فائدة له، غدا سيدفن هؤلاء الأشخاص، الذين لا جدوي
من وجودهم".
"كنا ذات يوم، نٌعرب أنفسنا تحت وطأة
القوانين، لنكتشف أننا علي مر تاريخنا، كنا مفعولا بنا علي الدوام. قال لي
"محمد": ماذا لو كنا الفاعل لو مرة واحدة؟! قلت: نعم.. أنا سأكتب، الكتابة
نصف انحراف، الانحراف أفضل وسيلة للوصول للحقيقة، قال: وأنا سأموت، الموت
هو الحقيقة ذاتها، بهدوء شديد سأنام قليلا لأستيقظ عند ميلاد جديد لبشرية
أخري".
لون أدبي جديد
علي الغلاف الخلفي للرواية نقرأ كلمة الدكتور محمود أمين العالم
"العمل الإبداعي "فدوى" من أعنف ما قرأت، ليس عنفًا لغويًا أو حدثيًا، بقدر ما هو
عنف الفكرة الماورائية الجدلية التي تطرحها الكاتبة دون حذق أو تلبس أو مجاهدة
مغرضة لخلق الوصف، هذا أيضًا دون سرد زائد عن الحد أو حوار مشتت. ولأنه لون أدبي
جديد من الكتابة الإبداعية، فقد استوقفني كثيرًا قبل تناوله بالنقد والتحليل، وحيث
إنه جنس جديد من الكتابة العربية المعاصرة رأيت أنه من اللا أمانة أن تطبق عليه
قواعد وأسس النقد الأدبي التقليدي.
وفي تقديري فإن رواية فدوى؛ إن جاز أن
أطلق عليها مجازًا مسمى "رواية"؛ هي مرحلة جديدة من الكتابة الأدبية المتمردة على
البنية الروائية الكلاسيكية، وهي تعبير صادق عن كاتبتها صاحبة الرؤية العميقة
القارئة والمثقفة والمبدعة "فدوى حسن".
إنها رؤية "فدوى حسن" الكاتبة ونصها
الأدبي في مواجهة المفروض والسائد، وما هو متمكن حولنا وداخلنا فيما أشبه أن تكون
بسيرة تأملية للحياة، كانت وتكون وستكون".
بينما يري
عبدالدايم السلامي أن "فدوى": "عمل يجمع بين السيرة الذاتية للكاتبة ورغبتها فى
التعبير عن ذاتها بضمير المتكلم، وبين فضح المسكوت عنه؛ ذلك العالم الجوانى لامرأة
شرقية قررت فى لحظة فارقة أن تبوح، وأن تكشف ما يُسكت عن التعبير عنه فى حياتها فى
جرأة نادرة، ولكنها جرأة واعية تعرف كيف تفيد من وضعيتها كأنثى فى مجتمع شرقى
منغلق، كما تعرف كيف توظف تلك الجرأة فنيًا فى نص أدبى يفيد من طرائق السرد
الروائي، وروح الشعر ولغته".
تاريخ التحديث :- توقيت جرينتش : الثلاثاء , 26 - 8 - 2008 الساعة : 10:21 صباحاً توقيت مكة المكرمة : الثلاثاء , 26 - 8 - 2008 الساعة : 1:21 مساءً |