|
في رواية
مصرية تشهد رواجاً أبطال مكاوي سعيد ينشدون
تغريدة الموت!
|
|  | | غلاف الرواية | | | محيط - شيرين صبحي
شخصيات مأزومة عدمية ومشوهة تسير
إلي مصيرها المحتوم تنشد تغريدة الرحيل كالبجعة في أيامها الأخيرة حين تستشرف الموت
فتتجه إلى شاطيء المحيط وتنطلق في رقصتها الأخيرة وتغرد تغريدتها
الوحيدة الشجية ثم تموت.
هذا هو حال أبطال مكاوي سعيد في
روايته "تغريدة البجعة" التي وصلت للقائمة النهائية لجائزة "البوكر" العربية والتي
قالت عنها لجنة تحكيم الجائزة أن الكاتب " يشتق في هذه الرواية الشكل الروائي من
واقع اجتماعي متحول متبدل، ويعيّن الشكل الجديد مدخلاً إلى قراءة الواقع وتحولاته،
في عمل روائي جميل يرثي زمناً غنائياً مضى، ويصوغ المستقبل المحتمل بأسئلة بلا
إجابات".
اخفاقات متكررة يعيشها "مصطفي"
الراوي وهو نموذج للشخصية الضائعة التي أهدرت كل الفرص التي كان من الممكن أن تغير
مصيره وتمسك "بإصرار وعن عمد وبغباء شديد بمشاريع حياتية كانت نتائجها الحتمية
فشلا.. وعبثا.. وطيشا ونزقا وجنونا".
تتعدد علاقات مصطفي النسائية ما
بين مارشا الأمريكية وزينب القروية التي تعيش بدار مغتربات للعمل بالصحافة وتكافئه
علي معاملته لها بجسدها، وياسمين التي أرسلها له زميل قديم ليقرأ قصائدها ورأي فيها
تلك الزهرة البرية كأنها هدية من هدايا السماء.
يعيش مصطفي باقي حياته بلا حب
حقيقي بعد رحيل حبيبته "هند" التي كان لها الفضل في كتابته للشعر والتي كانت نموذج
للفتاة المثالية الممتلئة بالحيوية والنشاط في الجامعة والتي ترحل أثناء اجتماع
لفرقة الجوالة بسبب انفجار دانة تذكارية حصل عليها طلبة الجوالة القدامي من معرض
للغنائم عقب حرب أكتوبر.
"طريق طويل محفوف بالمخاطر أصبحت
أخوض فيه.. عالقا بين شتي العوالم بلا حب حقيقي.. فلا ياسمين تطابقت مع هند ولا
مارشا اكتفت مني وكفتني الأخريات.. ولا زينب ستستمر معي لو خمدت رغبتها بالمكسيكي
وارتبطت بي.. كل نماذج المرأة بداخلي مشوهة عدا هند التي أصبحت روحا خالصة لا تتقيد
بجسد ولا تحدها تفاصيل".
الموت عشقا
"عصام
شريف" الفنان التشكيلي الرومانسي مثال لشخصية الفنان بكل جنونها ونزقها.. تراه يرقص
ويشرب ويثمل حتي الثالثة صباحا، وبينما ينام أصدقاءه حتي العصر يتريض هو في السادسة
صباحا ويلعب اليوجا في المركز الهندي.
يتنقل عصام من حب لأخر حتي يتعرف
بفتاة سنغافورية تدعي "سامنثا" فيهيم بها حبا ويقرر الزواج بها علي أن يستقر
بالقاهرة ليظل يهب حبه وفنه للوطن، يستمر لمدة عامين متنقلا بين القاهرة وسنغافورة
حتي يقرر الإستقرار بوطنها بناء علي رغبتها، ولكنها في النهاية تطلب الطلاق وتصر
عليه وترفض حتي مقابلته.
يطلقها عصام ويعود لوطنه حزينا
منكفئا علي نفسه ثم يتحول للصوفية حتي خلت شقته التي كانت مرسما من أي لوحات وأبدل
السجادة العتيق الشيراز إلي حصيرة يدوية وأثاث حجرة نومه الفاخر إلي سرير حديدي
عتيق، وحلق شعره كله واتخذ سمات البوذيين.
تموت سامنثا ويكتشف عصام أنها
كانت مريضة بسرطان متقدم بالمخ ولهذا طلبت الانفصال حتي لا يتألم معها وتركت له كل
أموالها، فيبدأ عصام الدخول في حالة مغايرة ويحول جدران وأسقف المنزل إلي لوحات
ترسم المراحل المختلفة لحياة سامنثا وأوقاتهم معا حتي يستعيد لحظاته معها.. يتخذ
عصام من شقته ومرسمه قبرا له ولسامنثا.. يرفع مرساة سفينته ويرتحل مع
ذكرياته.
مجتمع يتحول
"أحمد الحلو" الماركسي الباحث عن
المثاليات، يقود الجموع في المظاهرات ويواجه وحشية السجن ويدمن الاعتقالات.. يتخرج
من كلية الهندسة ويتزوج بزميلته ورفيقة كفاحه شاهيناز.
تؤثر فيه التحولات التي حدثت
بالمجتمع ومن باعوا قضيتهم فيسافر إلي السعودية ويعود بفكر وهابي متطرف، فيقرر
الإستقالة من الحكومة الكافرة - كما يراها – ويبدأ في بيع صواني البسبوسة والكنافة
التي تعدها زوجته الثائرة القديمة.
|
|  | | الرواية تتعرض ايضا لأطفال الشوارع | | | وترصد الرواية الواقع القاسي لأطفال الشوارع، فنري كريم الذي قرر أن يهب نفسه
للحرية التي هي في مفهومه أن لا تصبح هناك أية سلطة عليه لا من الناس ولا من الدولة
أو من الأسرة.. ويبدأ بتكوين عصابة من الأطفال الذين يتجولون بوسط البلد للتسول أو
بيع المناديل. "كريم حالة مستثناه من أولاد الشوارع .. أطاحت به
الدنيا فأطاح بكل ما قد يمتلكه أو يحصل عليه.. ومهما تشابكت حوله الحياة وأظلمت
الدنيا في عينيه، أغرق نفسه في بحور الكلة منفصلا عن هذا الواقع.. تراه قزما تافها
أجرب يستجدي الناس في الشوارع، لكنه في عرينة ينفرد جسده بشكل عجيب وتستقيم يده
ويتضخم صوته ويصبح قادرا بمفردة علي أن يسيطر علي مجموعة من أرباب السوابق ومحترفي
الإجرام".
نماذج للمرأة
تطالعنا في الرواية نماذج متعددة
للمرأة بداية من "هند" الفتاة المثالية المقبلة علي الحياة التي ترحل في حادث
بالجامعة، ومرورا بـ "زينب" التي تأتي من المنيا بعد أن اعتدى عليها عمها وهي
صغيرة، فتعيش بدار مغتربات وتذوق قسوة المدينة.. تتعرف علي مصطفي أثناء إجراء حوار
صحفي معه لجريدة مغمورة، فتحبه وتكافئه بجسدها بسبب حنانه عليها في
البداية.
|
|  | | زينب وندم كبير | | | زينب التي لا تخلو من الدهشة وتسير حاملة أجولة الدهشة توزعها في كل مكان، تفشل
في تلبية احتياجات أسرتها الفقيرة، وتكتشف علاقة مصطفي بأخري فتقرر الفرار للخارج
بحثا عن الحب مع رجل مكسيكي.
مارشا الأمريكية التي تتعرف علي
مصطفي أيضا وتقرر إخراج فيلم عن أولاد الشوارع، وهي نموذج للمرأة المسيطرة القوية،
والتي تصر علي الجري بالكاميرات وراء كل مظاهر الحياة السياسية بمصر معللة ذلك
بأنها مسرورة ومنفعلة بالحراك الإجتماعي المصري وبهامش الحرية والديمقراطية التي
تتسع.
"كيف عادت إليها فكرة الإخراج،
ومن السبب في عودتها؟ كلامي عن أولاد الشوارع وتخوفي من هذه الظاهرة أم قدرتها
العجيبة علي رصد القنابل الموقوتة داخل المجتمع المصري؟ أم أنها تلقت توجيها من
هناك؟".
"ياسمين" التي أرسلها لمصطفي
زميل قديم ليقرأ قصائدها الأولي ويوجهها، والذي صدمه صغر سنها وحجابها وفستانها
الفضفاض "ياسمين تردني إلي سنوات موغلة في القدم، كنت أظن أني نسيتها تماما..
ذكرتني بهند.. أول حب في حياتي أو حبي الوحيد".
"شاهيناز" الماركسية زوجة أحمد
الحلو، صاحبة الآراء المتطرفة التي تزيدها جهامة نبرة صوتها العالية وتشنج وجهها
وهي تدخل في حوار مع أي أحد.. يدفعها حبها الجارف لأحمد إلي التغير معه مثلما تغير
وتتحول للتيار الإسلامي مع زوجها وترتدي النقاب.
مأساة وطن
ترصد الرواية التحولات التي مر
بها المجتمع خلال السنوات الماضية.. أحلام وطن وجيل تنتهي بنهاية مأساوية.
" ما زال يشغلني شاغل.. من منا
مريض بالشيزوفرنيا.. أنا أم المجتمع؟ ولماذا أنا حائر دائما بين مجتمع أحبه ولا
أقدر علي العيش فيه أو التعايش معه.. ومجتمع أكرهه وألتصق به.. قصتي مع مارشا كانت
لابد أن تنتهي منذ فترة طويلة.. لماذا أتمسك بها إلي الآن؟ أدور في فلكها.. مدارها
يجذبني أينما كنت.. مهما ابتعدت أعود إليها.. حالتي خطرة وتتفاقم يوميا.. ولا أدري
كيف ستكون نهايتي؟ ".
|
|  | | مكاوي سعيد | | | "هربت إلي الخارج وعندما عدت اختفيت خلف كاميرا تمتلكها أمريكية.. ما الفرق بيني
وبين من يملكون دكاكين حقوق الإنسان ومنع التمييز وحقوق المرأة؟ زملاؤنا القدامي
جاهروا بالسرية وتاجروا بأسابيع اعتقالهم وملأوا الفضائيات فخرا بنضالهم، كنت أسمع
صراخهم بنفسي.. بكاءهم.. توسلاتهم.. وكنت أري مكاسبهم الصغيرة التي حصلوا عليها
بإفشاء أسرارنا.. من منا ظل صامدا حتي الآن؟.. هم باعوا وقبضوا الثمن ونحن وصمنا
بالجبن والتنازل.. حمد لله علي أننا لم نظل بنفس الخندق لتطيح بنا الرؤي المغايرة
وتحولات العالم التي جاءت بما لم يخطر ببال بشر..".
من خلال الرواية يرصد المؤلف
للعديد من المآسي المجتمعية والسياسية المحيطة بنا فيذكر كارثة مسرح بني سويف،
ويعلق علي الإعتداء الإسرائيلي علي لبنان، ويرصد علاقة التبعية التي تربطنا
بالولايات المتحدة الأمريكية والتي يجسدها من خلال علاقة مصطفي بـ"مارشا" فنقرأ هذا
المونولوجي الداخلي علي لسان الراوي مصطفي:
"فليستمتعوا بأرضنا ومناخنا
وبترولنا ومعتقداتنا… ليسلبوا منا التاريخ والجغرافيا ويقطعوا عنا مفاصل الإمدادات
ويتركونا نواجه الطبيعة… فليتخلصوا من كل جين من جيناتنا ويمنعوها من الوصول داخل
مدنهم المزعومة… ولا مانع من أن يحتفظوا ببعض من ممن أدوا لهم خدمات جليلة في متاحف
التاريخ الطبيعي أو في الملاهي التي تقدم كائنات غرائبية أو في حدائق الحيوان…
كالصورة التي تحت يدي الآن وهي صورة نادرة نشرتها مجلة ’اللطائف المصورة‘ عام 1943
لحديقة حيوان برلين عند إفتتاحها عام 1840، والصورة – لكل من يهمه الأمر – بها قفص
حديدي بالحديقة يتجمع حوله بعض زوارها وهم يلقون بالموز والفول السوداني لأسرة
أفريقية عارية تماماً إلا من بضعة أوراق شجر تغطي العورات… الأسرة تضم شيخاً في
السبعين من عمره وأباً في نهايات عقده الثالث وزوجة وطفلاً رضيعاً… والقفص مكتوب
عليه من الخارج: ’أسرة همجية تم صيدها من غابات أفريقيا
السوداء!".
تاريخ التحديث :- توقيت جرينتش : الأربعاء , 6 - 8 - 2008 الساعة : 2:2 مساءً توقيت مكة المكرمة : الأربعاء , 6 - 8 - 2008 الساعة : 5:2 مساءً |