|
محيط – هالة
الدسوقي
وأصبح حلم السفر لإيطاليا شبحا يطارد الشباب
المصري، من أجله يبيعون الغالي والرخيص لصالح سماسرة التهريب، ويتحملون
الأهوال في رحلة الصعاب للوصول إلى أرض الأحلام ..
قصص
كثيرة مشابهة يغامر فيها الشباب بحياته من أجل الوصول لبلاد الإسباجتي، بعضهم
لا يكمل الطريق ويعود من ليبيا والبعض يكمل ويصل وآخر يكون مصيره الموت، وكان
أخرهم 50 لقوا مصرعهم من بين 150 شخصا من جنسيات مختلفة بداية شهر يونيو
2008، بعد انقلاب قارب خشبي كان يقلهم أمام السواحل الليبية في طريقهم إلى
إحدى الجزر الإيطالية، ولم ينج من الحادث سوى شخصين، أحدهما مصري، والآخر
من بنجلاديش.
وروى المصري الوحيد الناجي من الحادث
"ناجي عبدالمتجلي" تفاصيل ما وقع، موضحا " أنه تعرف على شخص في سوق الجمعة
في طرابلس عرض عليه السفر إلى إيطاليا مقابل ألفي دولار، وتم تحديد موعد
السفر يوم 5 يونيو، حيث تجمع الشباب المشارك في الرحلة في سوق الجمعة،
وتوجهوا مع هذا الشخص إلى منطقة غير معلومة لهم غرب طرابلس مكثوا فيها
ليلتين، ثم ركبوا قاربا صغيرا لا يسع إلا40 شخصا فقط، وبعد ساعة من تحركه
تعطل القارب، وباءت بالفشل كل محاولات إصلاح المحرك، وبدأت المياه تتسرب
إليه، ونتيجة للهلع الذي أصاب الركاب الذين لا يعرفون السباحة انقلب القارب
بهم وغرقوا.
|
وكانت ظاهرة الهجرة غير الشرعية
للشباب قد أثار جدلا واسعا في مصر أعقاب انتشال جثث 26 مصريا قبالة
السواحل الإيطالية في نوفمبر الماضي، والتي صنفها قراء "محيط"، في
الاستطلاع الذي أجراه الموقع لعام 2007، بأنه أسوأ حدث في العام
الماضي. |
|
القراء:
غرق الشباب المصريين على سواحل إيطاليا اسوأ أحداث
2007 | | |
لا أحد يكره
المال
|
يحكى محمود إبراهيم، 26 عاما،
أحد من مروا بتجربة حلم السفر لموقع محيط تجربته قائلا:" عملت في لبنان
لمدة ثلاث سنوات، وكنت احصل على مرتب مجزي، وفي أحد الأيام عرض علي أحد
الأصدقاء مصاحبته للسفر إلى إيطاليا وخاصة أننا سوف نحصل على مرتبات
أعلى بكثير مما نتقضاها في لبنان، وفكرت في الأمر وأعجبتني الفكرة، فلا
أحد يكره المال، وقررت السفر معه، حيث اتفق مع سمسار السفريات بعد أن
دفعنا له مبلغا كبيرا من المال وأوضح لنا خطوات الهروب، حيث نصل إلى
البحر من خلال سوريا" |
|
|  | | التضحية بالحياة أفضل من الاستسلام للبطالة | | |
|
ويكمل محمود : " انتقلنا إلى سوريا في عربة
نقل، وهناك انكشف أمرنا وطاردتنا الشرطة ولما لم يتوقف السائق .. بدأ وابل من
الرصاصات يهبط علينا، وانقذتني العناية الإلهية وسخر الله لي صديقي المغربي
الذي غطاني بجسده ليستقر الرصاص بجسده كله، ولم تصبني رصاصة واحدة والحمد
لله، ولكن ابن عمي وكان ثالثنا في رحلة الهروب استقرت في ركبته رصاصتين ..
ودخلنا السجن في سوريا وبعد أسبوع تم ترحيلي إلى مصر، وتم منعي نهائيا من
دخول سوريا .. صديقي المغربي يرقد في المستشفي في بلاده بين الحياة والموت
حيث أصاب الرصاص عموده الفقري .. وابن عمي أجري عدة عمليات لإخراج الرصاص من
ركبته وقرر ألا يسافر مرة أخرى خارج مصر".
ثلاثون ألف جنيه
بينما يروي مجدي عبد
العليم، 24 عاما، قصة صديقه الذي سافر إلي إيطاليا عن طريق التهريب قائلا:
"منذ أيام الدراسة وأحمد صديق يرتب للسفر، وبعد التخرج لم يتوان لحظة في
تحقيقه، حيث قام بتجميع 30 ألف جنيه عن طريق بيع بعض ممتلكات أسرته "قطعة
أرض"، والإستدانة للغير لإكمال المبلغ لدفعهم إلى السمسار المكلف بتسفيرهم
إلى إيطاليا، وعندما اقتربوا بقاربهم إلى الشاطيء قفزوا قبله بمسافة معينة
ووصولوا إليه سباحة أو بعوامات خاصة .. وحاليا صديقى يعيش بإيطاليا ويعمل
نقاشا، ولكن دون إقامة رسمية".
والمثير للعجب أن الشباب
ما زال يحلم بالخروج من مصر بأي طريقة، وهو ما أثبته استطلاع لمجلس الوزراء
حول الرغبة في الهجرة للخارج أشار إلى أن 19% من عينة الشباب يرغبون فى
الهجرة الدائمة للخارج، وأرجع 88% من هؤلاء أن أهم سبب وراء هذه الرغبة هو
الحصول على فرصة عمل ودخل أفضل.
تهلكة
البقاء
|
يعلق على نتيجة هذه الدراسة نجاد
البرعي الناشط الحقوقي والمحامي بالنقض بأن العمل الكريم بأجر مجزي
وتقدير معنوي هو الدافع وراء إصرار الشباب على الهجرة من مصر بأي
الوسائل كانت، |
|
البرعي : الخروج من مصر يستحق المغامرة
بالحياة | | |
|
وخاصة أن غالبيتهم أصبح ذو
نظرة تشاؤمية للمستقبل.
ويؤكد البرعي لشبكة الإعلام العربية
"محيط" أن الخروج من البلد يستحق حتى المغامرة بالحياة وهو ما يحث عليه
القرآن الكريم حيث ينادي بالهجرة ويتوعد من يقبل بالظلم بالعذاب يوم
القيامة. وردا على سؤال حول إمكانية تصنيف ما يفعله الشباب
من الهجرة غير الشرعية من قبيل التهلكة وهو ما يحذر منه القرآن الكريم
بقوله سبحانه وتعالى " وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى
التَّهْلُكَةِ"، |
|
|  | | نجاد البرعى | | |
|
يقول البرعي أن التهلكة الحقة هي ما يعاني منه شباب
مصر الآن ولا تهلكة أكثر من ذلك، وعليهم أن يسعوا لتحسين حياتهم وأن يطمئنوا
على أنفسهم ومستقبلهم.
إغراء
أوروبي
إغراء
الحياة الكريمة في الخارج بالإضافة إلى عوامل طرد عالية جدا من الداخل
والمتمثلة في البطالة، هي أهم الأسباب التي تدفع الشباب المصري للتضحية
بحياته من أجل الخروج من البلاد كما يؤكد د. رضا العدل أستاذ الاقتصاد وعميد
المعهد العالي للدراسات التعاونية والإدارية لشبكة الأخبار العربية "محيط".
ويبين أن هدف الشباب في سعيه للهجرة إلى
أوروبا هو الحصول على دخل عالي وليس مجرد وظيفة، ففي إيطاليا وأوروبا عموما
العمل اليدوي نادر جدا وبالتالي أجور العمال اليدويين عالية جدا، ويمثل دخله
في إيطاليا 20 ضعف عمله في مصر وضعف الأجر الذي قد يحصل عليه في دولة
خليجية.
أما مجرد الوظيفة فيمكنه الحصول عليها في مصر أو في أي
بلد عربي آخر،
|
ولكن قد لا تتناسب مع دراسته أو
مع طموحه ودخلها لا يحقق كل أحلامه كما أنها تجعله يعيش بالكاد، ولكن
لا يمكنه من شراء شقة أو الزواج وإعالة أسرة. |
|
دخول
الدول الأوروبية أسهل من الدول
العربية | | |
ويكشف د. رضا أنه بجانب إغراء الأجور العالية
يأتي سبب آخر لمغامرة الشباب وهي أن دخول الدول الأوروبية أسهل مقارنة مع
الدول العربية، فبمجرد عبور الشاب للبحر انتهت رحلته، حيث يمكنه التنقل في
بلاد أوروبا كلها، والتي تتميز بديمقراطية عالية جدا، حيث لا يوقفه أحد
ويسأله أين هويتك أو خلافه.
كما أن رجال الأعمال
والمشروعات في إيطاليا وأوروبا بشكل عام يحتاجون عمالة رخيصة، حيث يدفعون على
سبيل المثال للعامل الإيطالي اليدوي 10 يورو في الساعة ويدفعون للمصري، الذي
دخل بطريقة غير شرعية، 5 يورو فقط. ويلفت النظر إلى أن العمالة المصرية تجد
منافسة كبيرة من عمالة أوروبا الشرقية، حيث أنها أكثر تعليما ومهنية ولكن
أوروبا ما زالت متعطشة لمزيد من الأيدي العاملة.
عروس وجنسية
|
ويطرح د. العدل فكرة رفاهية العيش
بأوروبا قائلا أن من يهاجر إليها يمكنه أيضا الحصول على الجنسية
بالزواج من إحدى الأوروبيات وهو أمر سهل للغاية؛ لأن الشباب الأوروبي
يفضل العيش دون زواج وهن يرغبن في الزواج، وبرغم الحرية التي تتمتع بها
الأوروبية، إلا أنها تفضل أن تكون ربة منزل ولديها أولاد، وغالبا ما
يفضلن الشباب العربي لاستقامته وتقديسه للحياة
الزوجية. |
|
|  | | د. رضا العدل | | |
|
أما أهم مميزات السفر إلى أوروبا هو أن
مستقبل هناك أفضل، حيث يمكن للشاب أن يصبح رجل أعمال كبير، والواقع أثبت ذلك،
ولنا في رجال الأعمال المصريين العائدين من الخارج عبرة، حيث حققوا ثروات في
زمن قصير وعادوا مليونيرات ونجوم مجتمع، وهم من كانوا في بداية حياتهم
صعاليك.
الوزارة والنقابة
|
ويؤكد د. رضا العدل أن هناك طرق
عديدة لتقنين الدخول إلى أوروبا بدلا من الطرق غير الشرعية والتي ينتج
عنها الكثير من الكوارث وفقد للأرواح، وذلك من خلال عمل برتوكول بين
وزارة القوى العاملة والاتحاد الأوروبي، لتصدير العمالة اليدوية إليهم
وضمان سلامتها وحقوقها. |
|
برتوكول بين وزارة القوى العاملة
والاتحاد الأوروبي يضمن سلامة شباب
مصر | | |
وتتيح تلك البروتوكولات والاتفاقيات تنظيم
العمل، وكما أن هناك اتفاقيات لتنظيم حركة رؤوس الأموال وتدفقها إلى مصر يجب
أن تفتح أوروبا أسواقها للعمال المصريين بدلا من الإهانة الحالية، وبموجبها
يذهب العامل بعقد محدد الشروط وله محل إقامة ومهنة محددة بأجر
محدد.
ويشير عميد معهد العالي للدراسات التعاونية
والإدارية إلى أن نقابات العمال المهنية لها دور كبير، وخاصة أن نقابة العمال
المصرية عضو في الحركة النقابية العالمية، بجانب علاقاتها الوطيدة بنقابات
العمال بأوروبا منذ زمن، وفي مقابل أداء هذه الخدمة للمصريين يمكن أن تحصل
النقابة على الأجر الذي يحصل عليه سمسار الهجرة غير الشرعية.
الحرفي يكسب
|
بينما يرى د. رفعت عبد الباسط
استاذ علم الاجتماع بجامعة حلوان أن سفر الشباب المصري بطرق غير شرعية
أصبح ظاهرة بدليل تكرارها بشكل ملفت للنظر، نتيجة ما يعانوه من بطالة،
حيث لا يجد الحاصل على تعليم متوسط أو عالي فرص عمل، بينما يجد أصحاب
الحرف والمهن الصغيرة فرص عمل كبيرة في دول البحر المتوسط مثل ايطاليا
وأسبانيا وغيرها مما يدفع من يعاني من البطالة أي كان تعليمه للمخاطرة
حتى يصل إلى هذه الدول. |
|
|  | | في أوروبا .. المستقبل أفضل | | |
|
|
ويحذر من أن السوق الأوروبية لا
ترحب بمن يبحث عن وظيفة تناسب مؤهله، حيث أنهم يفضلون الأوروبيين في
شغل هذه الوظائف، ولذا تصبح فرصة شباب العالم الثالث ضعيفة، ولا تحتاج
سوى لعمالة يدوية. |
|
فرصة
المصريين الوحيدة في المهن اليدوية التي تحتاجها أوروبا
بشدة | | |
ويضيف أن الواقع يعكس الوضع الصعب للشباب
وأهلهم في نفس الوقت، حيث يطمح الأب بعد أن انفق الكثير على تعليم ابنائه أن
يجد ابنه الوظيفة المناسبة له، والطبيعي أن يحدث حراك اجتماعي ويحصل كل شاب
على وظيفة ملائمة له ولكن هذا لا يحدث، ويكون الحل الوحيد في السفر بأي طريقة
ولذا تتعاون الأسرة من أجل جمع المال اللازم لسفر الابن، فيقوموا بعمل
"جمعيات" أو بيع كل ما يملكونه من غالي وثمين.
ويؤكد د.
رفعت أن على الحكومة دورا كبيرا في معالجة أزمة البطالة، سواء ممثلة في وزارة
التعليم التي يقع على عاتقها مهمة تطوير التعليم وتزود الطالب بمؤهلات
ومهارات يتطلبها سوق العمل، بجانب ايجاد فرصة للشباب لكي يعملوا في المجتمعات
الجديدة وذلك بتوفير الإقامة وظروف الإعاشة والمواصلات، حتى تصبح هناك عوامل
جذب لانتقال الشباب للعيش في هذه المناطق الجديدة.
وادي رجال الأعمال
ولا يغفل د. عبد الباسط دور منظمات المجتمع
المدني ورجال الأعمال والجمعيات الخيرية فعليهم السعي لإعادة تدريب الشباب
وإيجاد فرض عمل لهم مما يحقق العدالة الاجتماعية، ولكن للأسف رجال الأعمال
حاليا في وادي والناس في واد آخر، مما جعل المجتمع المصري مجتمع غير آمن
لشبابه.
ويختم حديثه بالإشارة إلى دور الإعلام في توعية
المواطن والأسرة بمخاطر السفر بطريقة الهروب التي غالبا ما تهدد حياة من يقوم
بهذه
المغامرة.
|