* ترجمة وتقديم: أمل الشرقي يقبل القراء بنهم على قراءة قصص الجرائم لما تتضمنه من الغاز واثارة, لكن الرواية البوليسية تختلف عن قصص الجرائم في كونها تضم ما هو اكثر واعمق من اللغز والاثارة. فهي ترسم صورة لثقافة المجتمع, وتحلل العلاقة بين طبقاته, وتطرح على قارئها تساؤلات مهمة حول المثل والأخلاقيات والطبيعة الانسانية. فكيف بدأت الرواية البوليسية, في بريطانيا بالذات, ومتى كان ذلك? يأخذنا تتبع ميلاد الرواية البوليسية الى حادثة وقعت في دارة رودهيل هاوس في بريطانيا واستقطبت اهتمام البريطانيين واثارت تعاطفهم. لكن احدا في حينها لم يتكهن بأنها ستكون البداية التاريخية لنشوء جنس ادبي جديد هو الرواية البوليسية. في صباح يوم السبت الثلاثين من حزيران عام 1860 اختفى الطفل سافيل كنت, البالغ من العمر ثلاث سنوات وعشرة اشهر, من فراشه في دارة رودهيل هاوس وهي عقار عائلته الذي يقع على مشارف قرية رود على الحدود ما بين مقاطعتي ويلتشاير وسمرسيث. لم يمض وقت طويل حتى عثر الخدم على جثته وقد حشرت داخل مرحاض في الطابق الارضي من الدارة. وكان عنقه قد قطع بسكين. كان صموئيل كنت, والد الطفل, مكروها في المنطقة. اذ كانت مهمته فرض قانون المصانع لعام ,1833 وهي المهمة التي جعلت العمال واصحاب العمل يكرهونه على حد سواء, وكان قد اقام حول دارته سياجات عالية ووضع اشارات تمنع مرور الناس في اراضيه تحت طائلة العقاب. اصبح واضحا على التو ان القاتل يعرف خارطة الدارة وترتيبات النوم فيها. ولم تكن الاسيجة العالية ولا اشارات التحذير تجدي نفعا عندما تنفذ الجريمة من الداخل. يقول المثل ان بيت الانجليزي هو قلعته. كان الزمن زمن ارتقاء الطبقات الوسطى. وكانت السكك الحديد قد امتدت حتى الجوار جالبة معها وظائف جديدة. وكانت الجريمة في تلك الايام متوقعة في شوارع لندن والمدن المكتظة حيث يعيش الناس حياة بائسة تدفعهم الى اعمال بائسة. ولكن ان ترتكب جريمة في مخدع طفل في قلب "قلعة" والده في الريف فذلك هو ما اثار الدهشة والفضول. اثارت الجريمة اهتمام الكتاب والادباء البريطانيين المعاصرين وكان من بينهم عملاق الادب الانجليزي تشارلز ديكنز. استعار الكثير من الكتاب مقاطع او شخصيات منها لاعمالهم. وتفرغت مجلة "بنتش" ذات المكانة الحاسمة في الوسط الادبي للتنديد برجل التحري الذي تصدى لمحاولة كشف الجريمة. ومن هذه العلاقة بين الادباء وجريمة رود هيل هاوس كانت بداية ظهور الرواية البوليسية. ترددت الشرطة المحلية كثيرا في ازعاج آل كنت ذوي المكانة المرموقة في المنطقة. وكانت تشعر بتحفظ ازاء التطفل على خصوصيات العائلة. كما لم ترغب الشرطة المحلية بأي تدخل من العاصمة لندن. بعد فشل الشرطة المحلية في اكتشاف خفايا الجريمة تدخلت شرطة اسكوتلاند يارد. كانت ثمانية عشر سنة قد مضت على تشكيل قسم التحري في تلك الدائرة البوليسية الشهيرة. وكان رجل التحري جاك ويتشير الذي عهد اليه الكشف عن ملابسات جريمة رودهيل واحدا من المتحرين الثمانية الاوائل الذين تأسس منهم القسم والذين كان الجمهور يعتبرهم عيونا نافذة لا تخفى عليها خافية. كان ويتشير في الخامسة والاربعين من عمره عندما تولى التحقيق في جريمة رودهيل. وكان قد احرز نجاحا كبيرا من قبل عندما توصل الى معرفة هوية اللص الذي كان قد سرق قبل عامين لوحة لليوناردو دافنشي. كما سبق له ان شارك في البحث عن مجموعة الثوريين الذين حاولوا اغتيال نابليون الثالث في باريس. كان الروائي تشارلز ديكنز يعرف ويتشير شخصيا, وفي عدد من القصص التي نشرها في المجلات الدورية, بشر ديكنز بهذا التخصص الجديد واعتبر رجال التحري "نماذج للحداثة". كما اتخذ من تشارلي فيلد, صديق ويتشير ورئيسه في العمل نموذجا لشخصية باكيت في روايته "البيت الكئيب". كان التوجه العام لقصص الجريمة حتى ذلك التاريخ هو تصوير المنحرفين والاشرار الذين يرتكبون الجرائم. ولكن بوقوع جريمة رودهيل وانتداب ويتشير للتحقيق فيها ومعاصرة كل من ديكنز وويلكي كولينز (مؤلف رواية "ذات الرداء الابيض") لتلك الجريمة ثم التحول الى التركيز على شخصية التحري وعلى الجوانب التحليلية والنفسية الكامنة وراء الجرائم. لم يرق عمل التحري للبعض من الجمهور. وفي افتتاحية لصحيفة التايمز اللندنية ورد الرأي التالي "سيظل هناك على الدوام امر ما منفر في فكرة التجسس على الاخرين". لم تكن الشرطة المحلية في سمر سيث وويلتشاير الطرف الوحيد الذي لم يرحب بوصول ويتشير انما شاركها الموقف جمهور المنطقة. كان الرأي السائد بين الجمهور هو ان من قتل الطفل سافيل ليس سوى والده صموئيل والمربية المكلفة برعاية الطفل. وكان الناس يعتبرون زواج صموئيل كنت مع المعلمة الخصوصية لابنائه بعد وفاة زوجته الاولى التي اصيبت بالجنون "سابقة" ترشح صموئيل للشكوك. لكن ويتشير جاء بتصور مغاير, وهو تصور استمده من الحدس ومن معرفته بعلم النفس. بالنسبة له, كان المتهم الاول في الجريمة هو كونستانس, اخت سافيل غير الشقيقة التي كانت في السادسة عشرة من عمرها وقت وقوع الجريمة. لم تؤثر التقولات المنتشرة في محيط القرية على مجرى تفكير ويتشير. ولا زحزحته تقولات النمامين. كانت ثمة حادثة في ماضي كونستانس اوحت للتحري بأن الفتاة تعيش حالة من الازدواجية المرضية. فقبل أربع سنوات من وقوع الجريمة كانت كونستانس قد هربت من بيت العائلة يرافقها اخوها ويليام. وكانت قد سلكت في الهروب نفس الممر المؤدي الى المكان الذي اكتشفت فيه جثة سافيل فيما بعد. وقبل مغادرة الدار كانت قد استبدلت في المكان نفسه ملابسها بملابس صبي وقصت شعرها. يقول الروائي ويلكي كولينز الذي عاصر الجريمة ان مهمة التحري الحقيقية هي "اختراع الحبكة". وقد كان لدى ويتشير حبكة ودافع هو غيرة كونستانس من اخيها غير الشقيق. لاحقا, شبه العالم النفساني سيجموند فرويد التحري بالمحلل النفساني. وفي سعيه للكشف عن الفاعل, كان ويتشير "يتعامل مع الدلائل النفسانية الخفية.. لأن الجريمة كانت مشحونة بالقرائن ذات الدلالات الرمزية الى الحد الذي جعلها تتجاوز حدود التفسير". ازعجت شبهة ارتكاب مثل هذه الجريمة من قبل صبية مرفهة معظم المتابعين للامر. لكن شبهة قيام اب من الطبقة المتوسطة بقتل طفلة لم تكن اقل ازعاجا. في الوقت الذي كانت كونستانس فيه تمثل امام المحقق المحلي, كان الجهور مبهورا باحداث رواية كولينز "ذات الرداء الابيض" التي كانت تنشر انذاك في حلقات اسبوعية. وقد تمكن محامي كونستانس من تفنيد شكوك وتشير وحوّل مزاعمه الى اضحوكه. وساعدته في ذلك دائرة الشرطة المحلية التي كانت تشن حملة متعددة الوسائل للنيل من التحري الوافد من العاصمة وبلغ التعاطف المحلي مع كونستانس حد تلقيها عروضا للزواج من عدد من "المعجبين" بها. وزعت مناشير لا تحمل توقيعا, وكتبت كتب, ونسجت نظريات مختلفة حتى تمكن احد الصحافيين اخيرا ان يدخل بحيلة ما الى دارة رود هيل ليطرح على رب المنزل بعض الاسئلة, لكن صموئيل كنت امام دعوى بالطعن ضد الصحيفة التي اشارت اليه باصبع الاتهام. في هذه الاثناء تغلبت الحملة المحلية على التحري الذي لم يستطع اثبات نظريته. وجه اليه البرلمان توبيخا لعدم كفاءته, وامر وزير الداخلية بتحقيق جديد استبعد عنه وتيشير وتبنى وجهة نظر الشرطة المحلية, وقبل ان يفشل التحقيق الثاني في اثبات التهمة على الاب والمربية, كان تشارلز ديكنز قد فقد ثقته برجال التحري وكتب يقول: ان ما نحتاجه حقا هو ذلك التحري الذي لا يبالغ في التمسك بدوره كعالم الى الحد الذي يجعله يتصرف كالآلة. انتهى الامر بـ ويتشير الى ان يحال على التقاعد وسط الكثير من التنديد والاستهجان, لكن كونستانس بعد عام من تقاعده, وخمسة اعوام من ارتكاب الجريمة دخلت بمحض ارادتها محكمة التحقيق في بوستريت في العاصمة لندن لتعترف طواعية بارتكابها الجريمة. ولا يعود الفضل في الكشف عن الفصل الاخير من هذه الحكاية الى تحر بوليسي انما الى قس اعترفت له كونستانس بجريمتها وسألته النصح فأشار عليها بتسليم نفسها للشرطة. في هذه الاثناء توارى ويتشير عن المشهد لكنه كان قد اسس شخصية ما تزال تستحوذ على اهتمام الجمهور حتى يومنا هذا. فقد كان النموذج الذي الهم الروائيين الذين اثارتهم الجريمة والاجيال التي جاءت من بعدهم. وكان في مقدمة الذين اهتموا بشخصية "التحري" وطوروها تشارلتزديكنز وويلكي كولينز. برزت شخصية "التحري" المأخوذة عن جون ويتشير في رواية ديكنز "لغز أدوين درود". كما ظهرت بوضوح في رواية كولينز "حجر القمر" ولم يتوقف اهتمام الروائيين الانجليز بجريمة رودهيل وبطلها التحري جون ويتشير حتى يومنا هذا. وكان اخر الروايات التي تناولتها رواية "عوالم الناس الاخرين" (1980) للروائي البريطاني ويليام تريفور, ورواية "سوزان المفقودة" (1991) للروائية شارين ماكرامب. اكتشف عالم الادب منذ ذلك الحين الدور الذي يمكن للتحري ان يلعبه في الرواية. فهو الطرف الذي يسمح للقارئ بان ينفذ الى ما هو ابعد من المظاهر السطحية ليحصل على فهم اعمق للدوافع النفسية والطبيعة البشرية بشكل عام. ان ما يؤديه التحري في الرواية هو نفس الدور الذي يؤديه الفن في الحياة. انه يفرض النظام على فوضى المشهد ويستل من كومة التفاصيل المتضاربة والمشوشة الخيط الرفيع الذي يقود الى الحقيقة. في كتابها "ظنون السيد ويتشير" تقل الكاتبة البريطانية كيت سمرسكيل ان دور التحري في الرواية "يشبه دور الكاهن.. فهو يقدم حكايات قادرة على تنظيم الفوضى". ولعل هذا هو السبب الذي يجعل للرواية البوليسية ولشخصيات رجال التحري المشهورة كل هذه الشعبية. فهي تعيد ترتيب المشهد, وتقضي على الفوضى التي تسوده, وغالبا ما تفعل ذلك على نحو يفوق ما يحصل فعلا في الحياة الواقعية. عناوين فرعية * رجل التحري في الرواية مثل الكاهن لانه يقدم حكايات قادرة على تنظيم الفوضى. * الرواية البوليسية تعيد ترتيب الاوضاع وتفرض النظام على المشهد الذي شوشته الحياة الواقعية. * دور "التحري" في الادب هو النفاذ الى ما هو ابعد من المظاهر السطحية وصولا الى فهم اعمق للدوافع النفسية والطبيعة البشرية. ** منشور بجريدة "العرب اليوم" الأردنية 22 إبريل 2008 |