Moheet on google
السبت 24 يونيو 2017 07:17 مساءً
روابط سريعة
د. إيمان بيبرس

قانون النفقة.. لـ"قهر" المرأة لا "لإنصافها"

د. إيمان بيبرس

2017-05-22 14:10:13

في مقالي هذا سوف أتطرق للحديث عن واحدة من المعضلات التي تواجه المرأة المصرية، وتشكل إحدى مصادر المعاناة بالنسبة لها، كما أنها إحدى قضايا الأحوال الشخصية التي تبنيتها وما زلت، ولن أنفك عن العمل عليها، حتى يهتم صانعي القرار بها للوصول إلى حلول جذرية، إنني أتكلم على “قضية النفقة”، التي تواجه فيها المرأة أزمة حقيقية، حال امتناع الزوج أو المطلق عن الوفاء بالتزاماته المالية حيال الزوجة أو المطلقة وأبناءهما.

ولا يستطيع أحد أن ينكر المشهد الدائم الذي نراه في محاكم الأسرة بمختلف المحافظات، من تواجد آلاف السيدات اللاتي يعشن مآسي تدمى لها القلوب، أبطالها أزواج تفننوا في قهر النساء.

وإليك عزيزي القارئ إحدى القصص لسيدات عانين من عذاب قانون النفقة، واللاتي روتها علينا في الحوار المجتمعي” صوت أمهات مصر”، الذي نظمته جمعية نهوض وتنمية المرأة مع “الاتحاد العام لنساء مصر”؛ بهدف توصيل صوت أمهات مصر إلى صناع القرار ووضع رؤية موحدة لقوانين الأحوال الشخصية بما يصب في مصلحة وأمن الأسرة المصرية، حيث استمعنا خلال فترة الحوار للعديد من القصص الموجودة على أرض الواقع المؤلم لنا جميعاً.

والقصة التي اخترتها لأستعرضها عليك عزيزي القارئ، هي لسيدة تركها زوجها وهي حامل في الشهر الثامن، ثم طلقها زوجها بشكل رسمي وابنتها في عمر الـ 10 أشهر، وإلى الآن تعيش الأم مع ابنتها ذات الـ9 سنوات، والأب لا يعرف أية تفاصيل عن حياتهما، إلى أن أحست الأم بأن مصاريف ابنتها زادت عليها، ولا تسطيع أن توفيها، فقامت برفع قضية نفقة لابنتها وقضية بدل سكن وأجر حاضنه في عام 2010، وللأسف صدر الحكم بتحديد نفقه 100 جنيه فقط وبدل سكن 50 جنيهًا فقط، على الرغم من أن الأب يعمل محاسب، والطامة الكبرى أنه كالعادة قدم أوراق كونه عامل كهربائي على باب الله، ورغم ذلك لم يتم تنفيذ الحكم إلا بعد سنه، وبعدها قامت الأم برفع دعوة استئناف عام 2011، وتم الحكم فيها بدفع 300 جنيه نفقة للطفلة و150جنيه بدل إيجار سكن ، ولأنه لم يلتزم بالحكم كما نصحه محاميه وتهرب من دفع النفقة، تم صدور حكم حبس له، وهنا قام بتنفيذ الحكم بعدها بـ 4 سنوات على أن يدفع النفقة على ثلاث دفعات، وذلك في أواخر عام 2014، لكنها إلى الآن لم تحصل على قرش واحد من النفقة .. هل هذا عدل؟!!

كما تنوعت باقي القصص ما بين حالات خطف لا حصر لها، وأب مريض نفسي يعذب ويحرق زوجته ويتخلى عن نفقة ابنه، وآخر نصاب ويريد استغلال طفله في عمليات النصب التي يقوم بها، وثالث حبس طليقته وعند طلبها للطلاق خطف طفله ولا تعرف مكانه إلى الآن، ورابع يتخلى عن أولاده من أجل نزواته ويقوم بعمل مساومات دنيئة مقابل الشقة، وآخر جعل عشقه للمخدرات يتنازل عن قوامته التي أوصى بها الإسلام، كل هذه القصص وغيرها العديد والعديد الموجودة في أرض الواقع نهايتها واحدة... زوجات يطلبن الطلاق ويعانين الأمرّين مع عذاب قانون النفقة.

هذه الحالات لم أبتدعها من نسج خيالي، كما سيدعي البعض، كما أنها ليست قصص مكتوبة في عمل درامي، شاهدته على شاشات إحدى القنوات الفضائية، في وقت فراغي الذي لا أجده، بل هي قصص واقعية لسيدات طرقن بابي المفتوح لهن دائماً، بعد أن تم غلق جميع الأبواب في وجوهن، وكأنها مؤامرة عليهن لا نعرف سببها.

كما أن هناك دراسة ميدانية أجرتها جمعية نهوض وتنمية المرأة، والتي أشرف بأنني رئيسة مجلس إدارتها، حول الحضانة أجريت في الفترة بين 2012 لـ 2015، وتم إجراء الدراسة الأولى خلال 2012 _ 2013 لمدة 9 شهور بمحافظات مختلفة بلغ إجمالي العينة 10 آلاف شخص بينهم 4000 رجل جميعهم بقضايا الأحوال الشخصية وتوصلت الدراسة، إلى أن 88% من الرجال لا يدفعون النفقة، و 92 % لا يدفعون مصاريف المدارس.

وسؤالي هنا لماذا هذه المعاناة التي تعيشها السيدات في قضية محسومة ؟! فالنفقة من القضايا التي لا جدال عليها وثبتت شرعيتها في كتاب الله بدليل قوله تعالي: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ )، وقوله تعالي أيضاً: ( لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ).

وقوله تعالي في شأن المطلقات: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، حيث قد أوجب الله تعالي على الأزواج إسكان المطلقات من حيث سكنوا حسب قدرتهم وطاقتهم، كما وردت عن النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث كثيرة تفيد وجوب النفقة منها، ما روى من أن النبي عليه السلام قال في خطبته في حجة الوداع (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، وفي رواية (نفقتهن) بدلاً من رزقهن.

فما أستغربه هنا، أنه على الرغم من شرعية النفقة ووجوبها في القرآن والأحاديث النبوية والتي ذكرتها سلفاً، إلا أن أغلب الأزواج يتملصن من تنفيذها، ويتعاملون معها على أساس أنها قضية مكسب وخسارة مع الزوجة أو المطلقة، متناسين أن هذا حق شرعي، ليس للمرأة فقط بل لطفليهما وفلذات أكبادهما.

والطامة الكبرى والذي يؤلمني ويؤرقني أيضاً، أن قضايا النفقة وغيرها من قضايا الأحوال الشخصية، منتشرة بدرجة كبيرة لدرجة أنه لم يعد منزلاً يخلوا من إحداها، حيث وصل عدد الدعاوي التي يتم النظر فيها أمام محاكم الأسرة إلى المئات بل الآلاف من هذه الدعاوي القضائية في اليوم الواحد.

وعلى الرغم من صدور القانون رقم 1 لسنة 2000 الخاص بتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية إلا أن استمرار طول إجراءات التقاضي، يعد أحد أهم عوامل الإرهاق للمرأة والأسرة، فقد تأخذ الدعوى القضائية للمطالبة بالنفقة في أغلب الحالات، أكثر من سنتين، وللأسف خلال هذه الفترة تظل المرأة دون موارد، ولاسيما السيدات الفقيرات محدودات الدخل، ولا ننسى أنها تحتاج أيضاً إلى أتعاب محاماة للمحامين المباشرين للقضية، والتي تمتد الفترة بسبب تعقيدات التحري عن دخل الزوج وأيضاً تعقيدات إجراءات إعلان الزوج.

ومن الصعوبات التي تقابلها السيدات أيضاً هو عدم قيام بنك ناصر بالدور المنوط به بتقديم النفقة المحكوم بها، سواء بشكل مؤقت أو أحكام نهائية، بحجة عدم وجود مخصصات مالية مما أدى إلي إحجام السيدات عن الذهاب للبنك.

ولا شك أن تدهور الأوضاع الاجتماعية والصحية للمرأة والأبناء حال افتقادهم مصدر دخل، يؤدى إلى أمراض اجتماعية غير محسوبة العواقب، والتي أود أن أنوه إلى بعضها كجرس إنذار للمسئولين، والتي من أخطرها على الإطلاق، تسرب أبناء طالبة النفقة من التعليم، في أحيان كثيرة لعدم وجود أموال لاستكمال تعليمهم، إلى جانب لجوئهم للعمل في سن مبكرة لمساعدة ذويهم، مما يؤدي إلى شيوع ظاهرة أطفال الشوارع ووقوع هؤلاء تحت طائلة القانون، وهذا يجعلنا نطرح سؤال هام تعيشه كل طالبة نفقة: “كيف تدبر هذه السيدة حياتها مع العجز الدائم بين احتياجاتها واحتياجات أبنائهم الواسعة ومواردها القليلة؟!!”.

ومن المؤسف أنه على الرغم من التطورات التكنولوجية الحديثة التي نعيشها الآن، إلا أنه لا زال “شيخ الحارة” هو الإجراء الوحيد، بل والعقيم المتبع للتحري عن دخل الزوج الذي يعمل في المهن الحرة، وهذا يقودني إلى عدة تساؤلات أخرى تدور في عقلي، أرجو أن تعذروني عليها فهي تدور في خلدي ليل نهار، فسؤالي الأول موجه للمسئولين والذين هم بالتأكيد لديهم أسر وأبناء مثلنا جميعاً: ماذا يعني تحديد نفقة مؤقتة بمبالغ يتراوح ما بين 75 و 150 جنيه لزوجة وأولادها في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة بالشكل الذي عليه الآن؟!!.

وسؤالي الثاني موجه لكل رجل يلجأ إلى أساليب ملتوية، من تزوير في الأوراق الرسمية الخاصة بمصدر الدخل الحقيقي، وادعائه للفقر وغيرها من الأساليب، للتهرب من النفقة أو التقليل من نسبتها الحقيقية، على الرغم من أن أغلب هؤلاء الرجال يتعدى دخلهم الحقيقي آلاف الجنيهات، ومنهم من لديه أملاك تقدر بالملايين، وسؤالي: كيف يستطيع هذا الرجل النوم ليلاً في فراشه؟!! وفي نفس الوقت يرفض دفع نفقة فلذات أكباده أو يتهرب منها مع علمه جيداً احتياج أطفاله إلى هذه النفقة، وأنه لا يوجد مصدر آخر للدخل، فكيف يتخلى عنهم بهذه السهولة؟! وفي نفس الوقت يقوم برفع قضية حضانة أو رؤية أو استضافة؟!!

وفي النهاية وكسيدة مصرية وكرئيسة مجلس إدارة لإحدى الجمعيات النسوية، أطالب المسئولين وكل من يهمه الأمر بضرورة وضع حلول جذرية لهذه القضية، كما أطالب وزير العدل بزيادة عدد الدوائر الابتدائية والاستئنافية للتصدي للكم المتزايد من قضايا الأسرة وخاصة قضايا النفقة للزوجة والصغار، الذين يعانون الأمرين في تحصيل النفقات الضرورية على أن تنتهي تلك الدعاوي في غضون سنة كحد أقصي ويتحصل صاحب الشأن على الحكم النهائي، كما أطالب بتنفيذ تلك الأحكام عن طريق بنك ناصر دون تعنت وبيروقراطية الاجراءات، وأخيراً أطالب وزارة التضامن الاجتماعي، في تقديم دعم فوري للمرأة والأسرة حال امتناع العائل عن الإنفاق لحين الحصول على الحكم بالنفقة وتنفيذه.

ولكي تشعر بمدى معاناة تلك الأمهات أرجوك أن تقوم بزيارة قناة جمعية نهوض وتنمية المرأة على “اليوتيوب” على الرابط التالي https://www.youtube.com/channel/UCdUAyfy4nowCKsR9Noq3sjA، لتجد عشرات القصص بلسان الأمهات أنفسهنّ.

#صوت_أمهات_مصر

تعليقات الفيس بوك تعليقات محيط ( 0 )
تلتزم «شبكة الإعلام العربية محيط» بنشر كافة التعليقات التي ترد من السادة القراء، عدا التي تحض على الكراهية أو تسيء للمقدسات أو تتضمن تحقيراً أو تجريحاً في الشخصيات العامة أو قراء آخرين أو تحمل ألفاظاً خادشة للحياء والذوق العام، أو المشاركات المكررة أو الدعائية أو غير ذات الصلة بالمقال.
الأسم
التعليق
moheet1 moheet2 moheet3